
ويبقى عزاء الشعوب والمجتمعات في المحن والكوارث التي تلم بها، أنها تشكل أساساً لبدايات جديدة.. تكون فيها أكثر قدرة على تلافي الكثير من الأخطاء.. بعد أن أثرتها التجربة مهما بلغ عنفها، بدروس كثيرة تستقي منها العبر، لتعيد معها صياغة ما قد أغفلته في زمن آخر.. وليس بالضرورة أن تكون تلك الكوارث إفرازاً لسياسات خاطئة ظهرت في ذلك الزمن.. إلا أنه وغالباً ما يكون لها من الإيجابية الكثير في الكشف عن العديد من تلك الأخطاء. فيبدأ المجتمع في عفوية تامة تدارك شوائب كثيرة أغفلها من قبل.. ودرء أخطاء في سياسات تبيَّن له في الزمن الجديد مدى سلبيتها.. كردة فعل تلقائية للذود بالمجتمع عن كوارث مستقبلية.
والمجتمع الكويتي في تكوينه وإدارته مازال وكغيره من المجتمعات النامية، التي خضعت في تاريخها لنقلة نوعية عنيفة تمثلت في تغير جذري في مواردها الاقتصادية… فمن مجتمع بسيط يعتمد في رزقه على ما يقتنصه من البحر.. أو ما تجلبه السفن القادمة من ذلك البحر… إلى مجتمع اقتصادي حر… وشبه صناعي.. أو مجتمع ما بعد النفط إن صح التعبير.
وقد ترتّب على هذه الطفرة في المورد الاقتصادي.. تغير شامل في هيكل المجتمع ككل.. فمع ازدياد فرص العمل.. بدأت الكويت في استقطاب عناصر بشرية جديدة.. من كفاءات نادرة.. وأيد عاملة لتساهم في بناء هذا المجتمع.. ولتصبح مع الوقت أساساً في بنائه السكاني الجديد.
ولكون المجتمع الكويتي مجتمعاً قبلياً في تكوينه أساساً، فقد كان التمييز فيه ولا يزال يرجح كفة ابن القبيلة حتى وإن كان المنافس في الكفة الأخرى ذا خبرة أكثر وكفاءة أعلى.. مما ترتب عليه خلق مزيج مختلط من الأفراد، يعيشون وينتجون، ويتكاثرون أيضاً تحت سقف مجتمع واحد.. ويخضعون لقوانين واحدة.. إلا أن السقف الواحد يحيد عنهم في ما يشرعه المجتمع من حقوق.
وإذا كانت الثروة الاقتصادية في المجتمع هي عصب الحياة.. فإن الثروة البشرية هي عماد المجتمع متمثلة في قوة العمل والتي يكمن في إطارها الأفراد الذين يملكون القدرة على الإنتاج والمشاركة.. والمساهمة الفعلية في إثراء المجتمع ورقيه، وحفظ أمنه واستقراره.
ولقد حتَّمت طبيعة الكويت الجغرافية.. وثروته النفطية.. وكثافته السكانية الضئيلة على استقطاب واستيراد الجزء الأكبر من هذه الطاقة البشرية.. والتي بدأت بدورها في استقطاب فروعها.. لتشكل أسراً كثيرة سرعان ما تفاعلت مع المجتمع الجديد.. حتى أصبحت في زمن قياسي تشكل غالبية في المجتمع الكويتي. مما عزز الحاجة لسن قوانين وسياسات سكانية في محاولة لإعادة ترتيب المجتمع.
ونظراً للارتجال الذي صاحب تلك السياسة السكانية.. والتي كانت تتعامل مع هذا المجتمع الجديد بتكوينه السكاني الجديد، على أساس من الفصل التام بين مواطني هذا المجتمع.. وما يقابلهم من الطاقة البشرية المستوردة..والتي كانت تشكل غالبية قوة العمل الفعلية. فكان التمييز يتم لصالح أقلية من المواطنين تملك كافة الحقوق.. وأغلبية من الوافدين لا تتمتع بأي حقوق تعزز وطنيتها… والاكتفاء بما تحصل عليه من مزايا مادية… لتكتمل الصورة بأن تصبح الفئة الغالبة جزءاً من قوة العمل فقط ولكنها أبداً لا تكون جزءاً من المجتمع.
وإذا كان لغزو النظام العراقي للكويت بكل ما فيه من وحشية وانتهاك، ومن ايجابيات.. فهو ما ظهر على السطح من أخطاء وارتجال في تلك السياسة السكانية.. والذي أصبح معه من الصعب بمكان تحديد معالم المجتمع المستقبلية، فقد أثار الغزو فيما أثار الكثير من القضايا الحقيقية الخاطئة.. وما قضية التركيبة السكانية سوى واحدة من تلك القضايا الكثيرة.
إن المجتمعات التي تعاني من ندرة في الكثافة السكانية، تعتمد في علاجها للمشكلة على سن سياسة سكانية مرنة.. تهدف إلى تحقيق الحجم الأمثل للمجتمع السكاني.. وفيما عدا قانون الجنسية فإن الكويت تفتقد لتلك السياسة، والتي أدى غيابها إلى حالة من عدم الاستقرار لعدد من المواطنين.. انتقوا هذا المجتمع ليكون مأوى لهم على هذه الأرض.. فانصهروا معه.. وساهموا في العطاء.. وعاشوا تحت سقفه.. دون أن يكون لهم حق فعلي في الاندماج في هذا المجتمع.. ودون أن تمنح لهم الفرصة لتقوية روح الولاء لهذه الأرض بالمساهمة في الواجبات الوطنية.
وبما أن المجتمع الكويتي بتركيبته السكانية الضئيلة.. وبقدراته الإنتاجية المحدودة.. غير مؤهل للاستغناء عن الغير.. فليكن ذلك في إطار سياسة عادلة، يكون فيها الجميع مقتنعاً بأن مصلحته متفقة مع مصلحة هذا الوطن.. وأن ما يمس أمن هذا الوطن، سيكون فيه تهديد مباشر لأمنه واستقراره.. أي بمعنى آخر أن يكون للجميع المصلحة في أن يبقى هذا الوطن أمناً ومستقراً.
فقانون الإقامة الدائمة، وقوانين التجنيس تطبق في الكثير من المجتمعات التي تعاني من نقص في الطاقة البشرية.. وتكون أساساً لسياسة سكانية مدروسة، مبنية على مدى احتياجات المجتمع ومتطلباته الاقتصادية والاجتماعية، تلك القوانين تعطي إحساساً بالاستقرار لتلك الفئات… مما يعزز روح الولاء والانتماء.. وما يتبع الإحساس بالاستقرار من إنعاش للحياة الاقتصادية.. واستقرار للأمن. ويبدو أننا لم نع الدرس جيداً.. ولم نقدر بعد خطورة إبقاء الوضع على ما هو عليه.
وفتحنا المجال لمزيد من التفرقة المولدة للحقد.. دون أي محاولة جادة ترمي إلى إعطاء هوية لكل مواطن على أرض هذا الوطن.
ولكون الفرص لا تتكرر في تاريخ المجتمعات إلا فيما ندر.. فلنعمل جهدنا على ترميم تلك الأخطاء.. وسد ثغرات كثيرة في قضايا عديدة تمس وتؤلم جسد هذا الوطن.. والذي وإن كان قد تبقى منه شيء.. فهو ذلك الإحساس القوي الذي اكتنف المواطن بأن زاده التصاقاً بوطن غدا ترابه مزيجاً من دم مواطن.. وثروة وطن مهدرة.
والله ندعو.. أن لا نعيد صياغة أخطائنا.. وأن لا نسن قوانين ملأى بالثقوب.. تكون ثغرة جديدة، ندلج فيها إلى متاهة أخرى.. يزيد معها نزف دم الوطن.
