
قديماً.. وأعني بقديم هذه.. مرحلة ما قبل زلزال أغسطس، كنا نتندر فيما بيننا عما سيؤول إليه حالنا حين ينضب ذلك المخزون من الذهب الأسود ونحن لم نجهز بعد للقاء المستقبل.. كان ذلك هو الجانب الغامض من المستقبل.. والهاجس الوحيد الذي يشغلنا.. فكانت الجهود كلها مجندة في محاولة إيجاد بديل في حال توقف النفط.. وحتى لا تتوقف عجلة الحياة.
إلى أن أيقظتنا المدافع صبيحة الثاني من أغسطس.. وفسرناها ألف تفسير وتفسير، إلا أن تكون قدراً جلبته سحب المستقبل السوداء.. يفوق في شراسته أي توقع سابق.. فلم يؤلمنا صوت من قبل كما ألمنا صوت الطائرات العراقية، وهي تخترق جدار الصوت لتلقي بحمولتها على الأبرياء، ولتنتهك حرمة الجار.
لقد كانت الحرب العراقية – الإيرانية، أولى السحب السوداء في سماء المستقبل.. والتي كان اشتعالها أول تهديد فعلي لأمن الخليج منذ ظهور الثروة في هذه المنطقة.. وبالرغم من أن محاولة تجنب المخاطر مستقبلاً.. تصدرت دوماً سلم الأولويات لدى حكومات دول الخليج.. إلا أن أحداث الكويت أثبتت وبشكل واضح، أن الأساليب التي اتبعتها دول الخليج في حفظ أمنها، تحتاج إلى إعادة نظر.. بعد أن انقلبت الموازين تماماً.. وتشعبت مصادر الخطر.
لقد كان لغزو الكويت أثره العميق لدى دول الخليج كافة.. فقد ازداد الإحساس بالخطر فعلاً.. فلم يعد مجرد احتمال تتفاوت الآراء في مدى إمكانية وقوعه.. وإنما أصبح حقيقة ظهرت في غزو تحطمت معه الآمال وتلبدت سماء المستقبل بغيوم سوداء كثيرة تنذر بأخطار أكثر.. وأصبح معه من المحتم على دول المنطقة أن تعيش حقيقة الخطر الكامن في الغد.. وأن تبذل المزيد من العمل الجدي لمعالجة أي خطر قادم.
إن العالم الذي جيَّش جيوشه لردع النظام العراقي.. لم يتحرك لعدالة القضية فقط.. فالعالم مليء بالقضايا العادلة والتي مازالت تجتر صنوف الظلم دون بارقة أمل.. كما ولم ترتعد فرائِصُهُ لمنظر الجثث المبتورة والمشوّهة من أبناء هذا الوطن.. وإلا لكانت انفجرت لمنظر الأطفال في مجزرة حلبجة الشهيرة.. وغيرها من المذابح البشرية في هذه الدنيا.. إن منطق العقل يرى أن العاطفة هي آخر ما يأتي في قائمة مصالح وعلاقات الشعوب فيما بينها. ومنطقة الخليج.. وهو أمر لا يخفى على أحد.. تتصدر مكانة بارزة لدى مصانع العالم كله.. والذي قد يحتمل أي شيء إلا عدم اليقين في مسائل توفر الطاقة.
فأحداث الحرب العراقية – الإيرانية.. ثم مأساة غزو الكويت جعلت العالم يشعر بأن مصير مصانعه.. ودفء شتائه.. قد غديا رهن نزوات واضطرابات يختلقها أفراد عابثون كلما سنحت لهم فرصة الجلوس على عرش الأمة. فالعالم، والذي يهمه بالدرجة الأولى أن يستمر تدفق النفط بشكل منتظم وبدون أي معوقات.. لن يحتمل ظهور مغامر آخر يهيمن على هذه المنطقة ويعبث بأمنها مرة أخرى.. فكل ما تعنيه منطقة الخليج بالنسبة للعالم هو أنها منطقة تحمل تحت ثراها ٪65 من احتياطي النفط في العالم.
هكذا ينظر العالم إلى هذه المنطقة.. على كونها مستودع الطاقة الذي يغذي مصانعه.. ويسيَر عجلة الحياة فيه.
ولكن كيف ننظر نحن إلى مهد الأجداد.. وكيف سنسلم الأمانة من بعدنا إلى الأبناء؟!
لقد أتت الاتفاقية الأمنية المبرمة بين الكويت والولايات المتحدة في وقت وصل فيه الشعور بالخطر ذروته في هذا البلد الصغير.. فكثافتنا السكانية لا تسمح بإنشاء جيش جرار على غرار الجيوش المجاورة.. وما يختبىء تحت الأرض من خير يسيل له لعاب الكثير من المغامرين.. فكان أن أصبح الخيار محدوداً جداً.
ولكن ماذا بعد الاتفاقية الأمنية.. وماذا بعد انقضاء السنوات العشر.. أو العشرين.. لا فرق!! هل سيزول الخطر حينذاك؟ أم أننا سنعيش على هذا الاحتمال.. لنكرر بذلك خطأنا باستبعاد أسوأ الاحتمالات دائماً عن مرمى تخطيطنا!
إن أمريكا لن تبقى هنا إلى الأبد.. وإذا كانت مصالحها اليوم متفقة مع ضمان أمننا واستقرار حالنا.. فلا أحد يستطيع أن يقرأ المستقبل.. ولا أن يتكهن الغيب.. ولنا في التاريخ عبر ودروس كثيرة.. فها هي إيران الشاه.. وها هي فلبين ماركوس.. وها هو كاسترو الزعيم الكوبي، يفاجأ بالقرار السوفيتي بسحب القوات السوفيتية من كوبا.. دون حتى مراجعة الرئيس الكوبي في الأمر.. ليواجه المأزق وحيداً وبعيداً عن النظام الأم.
إنها ليست دعوة للتشاؤم.. بقدر ما هي دعوة للتروي وإمعان التفكير لإيجاد مخرج آخر ندلج منه إلى أمن واستقرار دائمين.
إن الإحساس بالخطر بعد الغزو العراقي لم يقتصر على الكويت وحدها.. وإنما هو إحساس مشترك شمل دول الخليج كافة.. فكارثة الغزو.. والصواريخ العراقية التي مزقت سماء العديد من دول الخليج أثبتت أن وحدة المصير التي تربط دول الخليج ليست مادة للتغني والشعر.. بقدر ما هي حقيقة يجب العمل على توثيقها.. وبقدر ما يعلمنا التاريخ بأن البقاء للأكبر.. بقدر ما يجب أن نتلاحم لنصبح حقاً أكبر! فالكيانات الصغيرة كانت دوماً معرضة لخطر الاغتصاب من قبل جيرانها.. ولا أحد يستطيع أن يضمن النظام الدولي الجديد.. الذي ينادي به الرئيس الأمريكي، ومدى قدرته على ردع أي مغامر عابث في ساحة التاريخ.
إن بلدان الخليج بمواردها المالية الضخمة.. وبأنظمتها المتشابهة.. ناهيك عن تشابه العلاقات الاجتماعية السائدة في مجتمعات الخليج.. كل ذلك يشكل أرضية أقوى لتبني مشروع اتحاد خليجي واحد.. يكون ضماناً أقوى لصد أي تهديد يلوح في المستقبل..
إن الأساليب المؤدية إلى ترسيخ حقيقة ذلك الكيان الواحد.. تكمن في تحقيق المزيد من المرونة في معاملات دول الخليج فيما بينها.. فعلى سبيل المثال.. توحيد العلاقات التجارية الخليجية.. وما يتضمنه ذلك من توحيد للقوانين وتنظيم لحقوق العمل.. تؤدي إلى تعزيز الشعور بالمصلحة المشتركة.. والحاجة الواحدة، قد تكون بداية طيبة.. في شق طريق أغلقناه طويلا.. واكتفينا بأنشودة تردد أن “خليجنا واحد.. طريقنا واحد”.
لا يهم كثيراً كيف تكون البداية لشق هذا الطريق.. بقدر ما هو مهم أن تكون هناك بداية حقيقية ملموسة.. لكي يترجم المصير الواحد.. ترجمة فعلية تبنى على أساس أكبر من الواقع.. وحتى لا تبقى طويلاً تدور في فلك الحلم والخيال.. لتنتهي كما انتهت أحلامنا ذات صباح بالوحدة العربية.
