غير مصنف

“لا تنسوا أسرانا” بين الشعار والواقع

[جريدة القبس 1/1/1992]

بهتت أعلامنا الصفراء.. وشحب لون شرائطنا الصفراء.. ولم يعد الأسرى.. مزّقت الريح ملصقاتنا.. وتمزقت ملابسنا التي تنادي أسرانا.. ولم يعودوا.. تعبت الحناجر من الهتاف.. وتوقف صوت الموسيقا منشداً للأسرى.. وأطفأ الدمع العيون.. ولم يعد أحد.. وانقضى صيف تلاه شتاء.. وها هو الشتاء الثاني يلملم أمطاره وصقيعه.. دون أن تبزغ أي بادرة في الأفق القريب أو البعيد تبشر بقدوم زمن الفرح.. كلنا نبكي أسرانا صمتاً. وجهراً.. وكلنا ندعو الرب صباحاً وليلاً.. ولكن للدمع المتفجر في عيون المنتظرين حرقة وألما لا يمكن أن يدركه من يغلق باب داره مع انقضاء النهار.. ويتفقد أبناءه قبل أن يخلد إلى النوم.. لن نستطيع مهما حاولنا أن نعيش المأساة كما يعيشها من له في أقبية الذل والهوان أب أو أخ أو زوج..
أين أصبحنا من قضية أسرانا.. ومع أي جهة نحن ندير الحوار!! وإلى أين نتجه بمسيراتنا الصفراء.. ومن يستمع إلى أناشيدنا تحكي مأساة أسرانا بكل لغات الأرض!!
قد يكون أصعب ما يواجهنا في مأساة أسرانا.. ويقتل فينا الأمل.. واقع مر يذكرنا دوماً أنهم أسرى لدى نظام لا يزال يدعي ويتغنى بالبطولة الزائفة التي اكتسبها بتجارة الآلام.. وبالمزايدات اللاإنسانية.. نظام ألف التناجي بالإثم والعدوان.. نظام يسرق استمراريته بالقهر والتآمر في الظلام.. نظام لا يطيق التكاشف في النور ولا السمو لشرف التحاور مع الآخرين.
مأساتنا إن الذي سلبنا أبناءنا.. قرصان.. وصعب جداً على القرصان أن يفهم أو أن يستوعب معنى الحرية والعدل.
تبقى إذاً مهمتنا في أن نبتكر أسلوباً.. وطريقاً جديدين يطلق قضية الأسرى من دائرة الأناشيد الانفعالية العاطفية.. والمسيرات.. والشرائط الصفراء.. فالمسيرات رمز ومعنى.. يمكن أن نعبّر بها عن مدى حزننا وألمنا.. إلا أن أبطالنا الأسرى لن يلمسوا الدفء ولا الأمن ولا الحرية بمسيراتنا وخطاباتنا. إن فاجعة الأسرى.. من أقسى المواجع.. بعد سرقة الوطن.. والتي عصفت بهذا الوطن الصغير.. وإذا كانت الانتصارات هي التي صنعت أعيادنا.. وتوجت حريتنا.. فإن الفواجع وحدها هي القادرة على أن تصنع الأوطان والأمم وتنظم مسارها.. ونحن وطن عصفت به الفواجع وهي كثيرة منذ فجر الثاني من أغسطس.. فلا تنقصنا الفواجع بقدر ما تعوزنا حقاً القدرة على تفهم حقيقة وجوهر تلك الفواجع.. وتلمس الطريق الأمثل لمواجهتها..إن أعمق وأقوى صورة لأي فاجعة.. تكمن في أسلوب فهمها واستيعاب كافة جوانبها.. قبل البدء برسم الطرق لحلها.. كي لا تتشتت الجهود.. وإذا طبقنا ذلك على فاجعتنا بأسرانا.. فالسؤال الذي يواجهنا هنا.. هل نحن قادرون على ترجمة هتافنا بأن – لا تنسوا أسرانا – إلى واقع حي ملموس بدلاً من واقعها النظري.. وبمعنى آخر هل نحن قادرون حقاً على ترجمة كل شعاراتنا عن أسرانا إلى واقع حي؟!
إن الإجابة النظرية عن سؤال كهذا.. وتحت كل المعطيات المتوافرة حالياً في هذا الوطن.. تؤكد قدرتنا على هذا العمل.. فكلنا واثق أننا فعلاً لم ننسى أسرانا في محنتهم.. ولا في معاناتهم.. وكلنا مؤمن بأن الله قد خلق الإنسان لا لكي يسلم نفسه لقوى الشر تعبث بحياته كما تشاء.. بل لكي يطمس هذه القوى وينتصر عليها.. إلا أننا إذا تركنا عالم العاطفة والخطابة والآمال جانباً سنجد أن واجبنا تجاه أسرانا يفتقد أبسط قواعد التنظيم لحملاتنا الداعية لإطلاق الأسرى.. وإذا كانت الحكمة القائلة بأن الحق لا يضيع.. ما دام وراءه مطالب.. فإن الواقع العملي يقول أن الحق يضيع إذاً لم يصاحبه تنظيم مدروس.. وإمكانات بشرية ومادية كافية لصياغة هذا التنظيم نحو الهدف المنشود.. وباعتقادي أن ذلك التنظيم يجب أن يوجه جهوده لأولئك الذي نريدهم أن يسمعونا.. لكي يعوا فاجعتنا.. خاصة وأن الكثير من الدول لم تستوعب من مأساتنا كلها سوى حرائق آبار النفط.. ولا نستطيع أن نخصّهم باللوم.. فنحن أصحاب القضية..ومهمتنا الرئيسية تكمن أولاً.. في أن يعلم العالم أن لدينا أسرى.. قبل أن ننشد منه المؤازرة والمساندة..
إننا مطالبون بتكثيف الجهود خارج الوطن.. وبكافة الوسائل.. فالدعاية الإعلامية لأسرانا تكون بالأفلام التسجيلية.. والمحاضرات التي تشرح للعالم مأساة اعتقال وأسر الأطفال والنساء والمدنيين.. وهذه مهمة وواجب لا بد أن تقوم به السفارات الكويتية والمبعوثون الكويتيون في الخارج.. وبمساندة أجهزة إعلامنا. وقد تكون الندوة التي عقدت في مصر في الشهر الماضي دليلاً على مدى حاجتنا للمزيد من العمل على تحريك الرأي العام العالمي.. وهي بذلك تأكيد على أهمية دور سفاراتنا في شرح قضية الأسرى.. فقد قام المستشار في سفارة الكويت في مصر بإقامة ندوة في نادي الدبلوماسيين الآسيويين في اجتماعه الشهري في نوفمبر الماضي تحدث فيها وبالتفصيل عن مأساة أسرانا.. وزعت فيها الكتيبات والإحصائيات التي تختص بموضوع الأسرى.. ومن المؤسف أن أغلب المعلومات كانت جديدة تماماً على الحضور.. والذي عبّر عن استنكاره حقاً لاحتجاز أسرى يشكل المدنيون والأطفال والنساء النسبة الغالبة من مجموعهم. أسرانا بحاجة للمزيد من هذه الدرجة العالية من الوعي والتنظيم في طرح قضيتهم.. والتي ترجمت ترجمة واقعية في تلك الندوة.. والتي كان أثرها واضحاً في طلب تقدم به نادي الدبلوماسيين الأفارقة لعقد ندوة مماثلة توضح لهم الحقيقة في مأساة الأسرى. نريد المزيد من تلك الإيضاحات للعالم.. نريد أن يعلم العالم أن لدينا أسرى.. وأن أسرانا بشر تماماً كتيري وايت.. وتوماس سيذرلاند.. وأن الأسر إهانة لكرامة الإنسان.. ولإرادته الحرة.. تشجبه كل القوانين والقيم الإنسانية تحت كل الظروف ومع كل البشر.
ونبقى في هذا الوطن أسرى.. والحزن تتشح به كل محاولات فرحنا بعد أن سرق الغزاة زرقة سمائنا.. وأمل أبنائنا.. نبقى وأيدينا على عقارب ساعاتنا خشية أن تتوقف.. فلا بد أن تدور ليسقط الظلم.. ويعود أسرانا من ليل الأسر.. ويبقى موعدنا معكم أيها الأحبة.. حين يسود العدل.. ويخسأ الخاسئون أبد الدهر.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى