الأرشيف

في صبيحة العيد.. نناجيكم

[جريدة القبس 2/4/1992]

أقبل العيد ثانية.. وشتان ما بين عيد مضى.. وعيد يحبو من جديد.. عيدنا الأول من بعد التحرير.. حيث كان دخان الحقد يكتم الأنفاس.. وليل الغضب الأسود يحكي جريمة وعبث الجار المارق.. ونفس جريحة تكاد لا تصدق ما حدث.
أقبل العيد ثانية مبتوراً كغيره من أعياد الوطن منذ بزوغ فجر الحرية في سماء هذا الوطن.. أقبل العيد وفرحنا يتيماً.. وزرعنا حزيناً.. وكل ما في أرضنا يئن شوقاً للقياكم أيها الأحباب..
في صبيحة العيد نناجيكم.. يا من حفرتم بأيديكم طريق الحرية لهذا الوطن.. نناديكم.. يا من صدقتم بعزيمتكم على وثيقة النصر لهذا الوطن نناديكم.. يا من حققتم بإيمانكم عودة الفرح لأبناء الوطن.
نناديكم.. يا من كرستم بثباتكم وعزمكم كل قيودنا ومخاوفنا.
نناديكم.. يا من بكم ارتفعت قاماتنا.. وهممنا.. ونضجنا بكم كثيراً.. نناديكم جميعاً.. وإليكم جميعاً.. في سجونكم وأصفادكم.. إلى يوسف المشاري.. وفيصل الصانع.. وعبدالوهاب المزين.. إلى كل الأسماء المحفورة حفراً في ذاكرتنا.. إلى كل الوجوه المشرقة مع كل طلوع قمر.. وعند كل أفول شمس.
ماذا نحكي لكم عن أحوال الوطن؟! وماذا نخبركم يا مهد كرامتنا.. عن حالنا بعد أن حفظتم لنا الوطن.. وتواريتم أنتم وراء الأفق البعيد. ماذا نخبركم يا أعز الناس.. في صبيحة عيد الفطر.. هل نخبركم عن حريتنا المقيدة بقضبان الأوغاد من أهل الشمال.
أم نخبركم.. ببكائنا الذي روى أشجار الوطن؟
هل نخبركم عن ركوعنا.. ودعائنا الذي بات يتردد في أرجاء الوطن كقرع الأجراس.. أم نخبركم.. عن خجلنا منكم.. ونحن ننهل من نسيم الحرية المنعش.. وأنتم تتنفسون الظلم في أقبية السجون؟ خجلنا منكم كبير.. ونحن عاجزون أمامكم.. وخجلنا منكم أكبر.. وقد استرددنا كل منهوبات الوطن.. إلا أنتم. خجلنا منكم كبير.. والوطن يسترد عافيته.. وأنتم في الأسر تضمرون.
ولكن آه لو تعلمون.. أن عزيمتكم قد جعلت للوطن مذاقاً آخر.. وللحرية طعماً آخر.. وإننا قد تعلمنا بفضلكم الكثير الكثير..
تعلمنا كيف تكون الإرادة.. وكم هي غالية كرامة الوطن..
تعلمنا كيف نكون سكيناً في نحر من أراد تركيع الوطن..
تعلمنا.. كيف يأتي النهار من جوف القهر.. وحرقة الظلم.
تعلمنا على أيديكم.. كيف يكون حب الأرض.. وكيف يكون فداء الوطن.. أسرانا.. يا مرفأ الأمان.. من بعد أن تهنا.. ويا شاطئ الأمن من بعد أن غرقنا، معذرة لكم.. إننا فشلنا أن نقنع المجتمع الدولي بجدوى وعدالة قضيتكم، معذرة لكم.. إن ألفنا الحياة دونكم.. معذرة لكم.. إن شعرنا الغاضب.. ونثرنا الغاضب.. هو كل ما نملك حيال قضيتكم. معذرة لكم.. أننا صبغنا شوارعنا صفراء.. وزرعنا ورودنا صفراء.. ورفعنا أعلامنا صفراء.. ونسينا أنكم دون لحاف ولا غطاء.
أحبابنا.. تتوالى الأعياد.. وأنتم غائبون.. يشب الأبناء.. ويشيب الآباء.. وأنتم لا زلتم غائبين، تتعاقب الفصول.. وتنتهي الأمطار.. وأنتم بعيدون.. تتزاحم الأحداث على عتبة الوطن.. وتتغير ملامح التاريخ.. وتبقون أنتم غرباء عن الأحداث والتاريخ.
يصعب علينا التكهن بموعد عودتكم.. فالطاغية الذي يمسك بخناقكم أشرس وأقسى من كل الطغاة الذين عرفهم البشر.. طاغية لا يعرف للرحمة طريقاً.. ولا لأية مشاعر إنسانية أخرى.. ويمعن في حماقات لا تصدر عن منطق أو عقل أو سبب.
جريمتكم في نظره لا تغتفر.. تهمتكم لديه أنكم تماديتم في رفضكم.. وهو الذي لم يألف أسلوب الرفض.. جريمتكم أنكم غرزتم خنجر الغدر في نحره.. وهو القائد (البطل) تهمتكم أنكم خيرتم بين الأرض وبين (البطل) فاخترتم الأرض ولم تختاروا (البطل). أسرانا.. ونحن نحيي أعيادنا.. يبقى عزاؤنا الأكبر في أن للظلم قبوراً شاهدة على مر التاريخ.. وأن للطغاة مقابر تحكي نهايات بشعة وأن للخير فسحة أكبر.. مهما طال أمد الظلم.
ونحن نحيي أعيادنا.. نترقب عودتكم.. فحتماً قادمون.. ومع ضياء الشمس تعودون.. ومن بين الدموع تعودون. ومن صلواتنا ودعائنا تقدمون.. ومن حزننا الدفين أنتم تولدون من جديد.. وتغدون حاضرين.. مثلما أنتم دوماً حاضرون.. في كلامنا وحديثنا حاضرون.. في دموع أمهاتنا أنتم حاضرون.. في أقلامنا حاضرون.. وفي ذكرى الغاليين من شهدائنا أنتم حاضرون.
ستبقى أعيادنا مبتورة.. وأفراحنا أسيرة.. وسماؤنا باكية.. إلى حين تعودون.
ستبقى أشجارنا صفراء.. ورياحنا هوجاء.. ورياضنا صحراء.. إلى حين تعودون.
وستبقون أبداً حاضرين.. إلى حين تعودون.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى