الأرشيف

حراك الخمسين عاماً!

[جريدة القبس 6/11/2012]

على الرغم من كل ما حدث ويحدث في الكويت، وبغضّ النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع مجريات الأحداث ورموزها، تبقى الحقيقة الناصعة تحت غبار الركام، هي أن ما يحدث هو في نهاية الأمر مسألة طبيعية ومنطقية تحتمها وتبيحها شروط التغيير ومتطلباته في كل المجتمعات البشرية!
يقول المثل “لا يهز الشجرة إلا فرع منها”، و”لا يحرك المياه الراكدة إلا أمواجها”! والتحرك في أي مجتمع ما يعكس اتجاهاً عاماً ومشتركاً للتغيير!
أحد الإخوة المغردين هاتفني معتذراً عن مشاكساته لي في تغريداته المختلفة تماماً عما أكتب! وكان الحوار الذي اتفقنا معا عليه، أن الرأي الواحد لا يمكن أن يشيّد بناء، ولا أن يدفع باتجاه الحركة والتحديث، وبالتالي فإن رأيه المخالف لرؤيتي هو مهم جداً، وإلا كانت صبغة الحياة مخلة وباهتة وجامدة!
الخلاف أبداً لم يكن في مشروعية اختلاف الرؤى والأهداف، وإنما هو في طبيعة الإطار الذي يتم من خلاله التعبير عن ذلك الخلاف، ومن هنا احتكمت الشعوب والدول إلى دساتير وقوانين لتنظيم الخلافات والاختلافات الطبيعية بين شعوبها!
مقولة “الله لا يغير علينا”، هي مقولة ساذجة وضد قوانين الاجتماع والفيزياء، فالثبات مسألة عقيمة، بينما يأتي التغيير كحقيقة ثابتة ويتيمة! ولنا في التاريخ دروس وعبر! أما ما يحكم التغيير فهو مسألة تعدد الرؤى والأجناس، وهو ما عبر عنه نلسون مانديلا حين قال في إحدى خطبه إنه قرر اعتبار تنوع الألوان واللغات مصدر قوة!
يكون التغيير أزمة حين يبتعد عن دعم مستقبل الدولة ومصلحتها العامة في مقابل الإفراط في تعزيز مصلحة شريحة أو فئة! وهو بالتحديد جوهر الأزمة في الكويت، حيث لاتزال مطالب التغيير تثير حفيظة البعض لكونها لا تمارس العدالة الكافية، وبالتالي فإنها تؤدي إلى بث مشاعر الخوف لدى بعض الفئات في الكويت.
نحن في الكويت، لسنا إذاً في أزمة، وإنما في مرحلة حراك طبيعي نتمنى أن تدركه الأطراف كافة، لكي لا يخرج عن مساره فيتحول إلى فوضى وألم يدفع الجميع ثمنه! هو حراك يدفع إلى تفعيل الدستور بمواده وبشكل حقيقي، وإلى ترسيخ المبادئ الديمقراطية من دون انتقاص ولا تهميش! وإلى ربط التغيير بالقضايا الأساسية والمركزية في المجتمع!
فبعد مرور خمسين عاماً من الدستور، ومثلها من الانتخابات والمجالس البرلمانية يتعيّن علينا اليوم الخروج من جدلية أحقيتنا في الدستور ومجلس الأمة إلى ضرورة الالتزام المطلق لما جاء في الدستور والإذعان لشروط النهج الديمقراطي الصحيح! خمسون عاماً ونحن في حراك متواصل لتحقيق ما وصلنا إليه اليوم من مسألة إذعان للأطراف كلها لضرورة الالتزام بميثاق الدستور!
تغيير في الوعي لم نكن لندركه لولا حراك الخمسين عاماً! هكذا هو التغيير، وهكذا هي حتميته التي يؤكدها التاريخ وتقرها الفلسفة السياسية!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى