الأرشيف

الخازن والمعارضة الشوارعية

[جريدة القبس 8/1/2013]

قد يكون من حق كاتب جريدة الحياة جهاد الخازن أن يُعبر عن رأيه وأن يطرح رؤيته لما يتعلق بالشأن الكويتي وبالأحداث والحراك الشبابي الذي شهدته الساحة الكويتية مؤخراً، لكنه قطعاً لا يملك الحق في استخدام ما استخدم من ألفاظ وصفات نعت بها الحراك الشبابي، متهماً المعارضة بالدجل والهبل، والمعارضين بكونهم أولاد شوارع ومُرائين!
رحم الله المفكر وعالم الاجتماع العراقي علي الوردي حين تناول في كتابه الشهير “وعاظ السلاطين” ظاهرة مثقفي السلطة، مستعرضاً ميولهم وأثرهم في مجرى الثقافة والوعي المجتمعي!
مثل هذا النوع من المثقفين كان، ولا يزال، جزءاً من التركيبة السياسية للمجتمعات العربية، لهم صحافتهم، وإعلامهم، وآراؤهم التي لم تكن أبداً في صف الشعوب بقدر ما كانت أبواقاً تبرر للسلطة أجهزتها القمعية، وتنظّر للشارع من بروجها العاجية، وتطرح واقعاً مزيفاً لا وجود له على أرض واقع المواطن المسكين!
الأحداث الأخيرة التي تفجرت في العواصم العربية عملت على كشف حقيقة الكثير من هؤلاء الوعاظ الذين اختفى بعضهم إثر سقوط سلاطينه، بينما عمل البعض الآخر على تغيير جلدته وركب الموجة بالمقلوب، وعاند ثوابته القديمة لكي يستمر في موجة الوعظ الجديدة ويتلون بمعطياتها وشروطها!
ما يُدمي القلب حقاً في مقال جهاد الخازن أنه أنكر دور أهل الكويت الشرفاء وصمودهم إبان الغزو العراقي، حين أشار في مقاله إلى أن الذين حرروا الكويت هم رجال الحكم! متجاهلاً هنا مئات الأسرى والشهداء الذين روت دماؤهم وآلامهم تراب الكويت الغالية، ومتناسياً دور أهل الكويت الرائد في التفافهم وتمسكهم بالشرعية الدستورية في مؤتمر جدة الشهير! وبشرعية الحكم حين لم يجد صدام حسين كويتياً واحداً يتعاون معه!
جزء كبير من هؤلاء في خانة المعارضة اليوم، والذين يصفهم الكاتب اليوم بأنهم أولاد شوارع هربوا إلى الصحراء يحثون التراب، أو أغلقوا الأبواب على أنفسهم خوفاً، وذلك حين اغتصب صدام حسين أرضهم! ما لم يذكره الخازن، إما متعمداً وإما بغير قصد، أن المعارضة الكويتية كانت وستبقى ثابتة في موقفها تجاه الشرعية الدستورية وشرعية الحكم، وأنها، ومن دون تحديد أسماء، لأن الموقف واحد لدى كل فئات المعارضة، تكرر وفي كل مرة أن حراكها ومسيراتها، تهدف إلى ترسيخ الشرعية وليس العكس، وإن معركتها ضد الفساد والمفسدين، وضد منتهكي القانون والمتسلقين على الدستور، وهي معركة مستحقة خاصة في ظل التدهور الذي شهدته الكويت مؤخراً!
إنها حقاً كارثة حين يتحدث مثقف عربي عن الحراك الشبابي والمعارضة في بلد عربي بهذا الشكل الضحل، خاصة في ظل التحولات الدراماتيكية التي يمر بها العالم العربي، والتي جعلت صوت المعارضة مسموعاً وليس شوارعياً، والحريات حقاً وليست نزهة أو ترفاً، والحقوق قدراً وليست دجلاً!
لكنها أزمة المثقف العربي في كل زمان ومكان، تختلف صورها لكن مضمونها يبقى واحداً، مع الذين اختاروا الوقوف في زاوية أكثر ضماناً واستمراراً وعائداً، وإن كان التاريخ يؤكد أنها زاوية ليست دائمة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى