
الحكم الصادر بتاريخ 22 نوفمبر 2015 والقاضي بتصفية جريدة الطليعة، هو حكم لا يمس العاملين والمحررين والكتّاب فيها فحسب، بل شأن يمس كل كويتي ومقيم على هذه الأرض، ليس لأنهم جميعاً يقرأون “الطليعة”، ولا لأنهم يتفقون مع فكرها وخطها وما تنشر من خبر ورأي، وإنما لأنها- أي “الطليعة”- قد أصبحت جزءاً من تاريخ الكويت السياسي، الذي هو ملك للجميع وليس لأهل “الطليعة” وجماعتها فقط.
حين صدرت جريدة الطليعة في 22 يونيو 1962 كانت من أولى الصحف المعارضة في الخليج العربي، وكان منهجها وهدفها الذي بقي معها كل هذه السنوات هو السعي لتكريس النهج الديمقراطي في الكويت، والتعبير بحرية وحيادية وتجرد عن الهموم العربية المشتركة! “الطليعة” لم تكن أبداً مُلكاً لأحد، وإنما كانت مشروعاً وطنياً وعروبياً حمل على كاهله التصدي للقضايا المحلية والعربية بنَفَس مخلص وعزيمة لا يرجو من ورائها القائمون على هذا المشروع ربحاً مادياً ولا مركزاً سياسياً ولا صفقات تجارية. عاصر “الطليعة” وكتب فيها عمالقة كويتيون وعرب، جمعهم الهمّ العربي المشترك، ووحدت كلمتهم أهداف نبيلة وسامية. ففي عام 1963 انضم ناجي العلي رساماً ومخرجاً ومحرراً وصحافياً إلى “الطليعة”، كما كتب فيها د. سعود عياش من فلسطين، وسليمان الشيخ من فلسطين كذلك، وحمد الشهوان من السعودية، وفاروق عبدالعزيز من مصر، بالإضافة إلى مفكرين وكتّاب من الكويت، مثل: د. خلدون النقيب، ود. أحمد البغدادي، ود. أحمد الربعي، ومحمد سليمان غانم، وغيرهم.
وإذا كان كتّاب “الطليعة” قد شكلوا كوكبة من المفكرين العرب الذين طرحوا همومهم وهموم وطنهم الكبير فوق صفحاتها، فإن مواقف “الطليعة” لا تقل فخراً ولا وطنية عن كتّابها؛ مواقف أملتها عليها وثيقة التأسيس، التي نصت على أن تكون منبراً للدفاع عن حقوق الشعوب، وصوتاً معبراً وحاضناً لهمومهم ومطالبهم! ومن منا لا يتذكر موقف “الطليعة” الشجاع في البوح علانية ضد الحرب العراقية – الإيرانية التي استنزفت قدرات كلا الشعبين، وأدت إلى ما تعاني منه المنطقة اليوم من كوارث سياسية؟! وعلى الرغم من كل التهديدات التي واجهتها “الطليعة” آنذاك فإن التزامها بدفاعها عن الحق والحقيقة بقي كما هو معيارها الأول في ما تنشر وتبث من خبر ورأي.
كما يكفي “الطليعة” فخراً أنها كانت المنبر الأكثر صراحة وتجرداً في التصدي لقضايا الفساد في الكويت.
لم أكتب هذا المقال لكوني من كتّاب “الطليعة”- وهو بالتأكيد فخر لي- وإنما من موقعي كمواطنة ومتابعة للشأن المحلي والعربي، الذي ربما يخضع لتصفية متعمدة لكل الآراء الحرة التي تمردت على صناديق الكبت.
حكم التصفية هذا لا يعني حكماً بتصفية “الطليعة” كفكر ومنبر حر، وتاريخ مشرف، وموقف وطني مخلص، وحتى لو توقفت “الطليعة” عن الصدور، فإن جذوة فكرها متوهجة في قلوب الكثير من الطلائع الشبابية، وهذا هو المهم!
