الأرشيف

تكلم حتى أراك!

[جريدة القبس 29/12/2015]

لكل واحد منا في حياته قدوة، قد تكون معلماً أو أباً، أو أماً، أو صديقاً، أو لاعباً، أو مبدعاً في مجال ما. وغالباً ما يتحلى المقتدى به بصفات مثالية ورقي وإبداع في مجاله، سواء كان فناً أو رياضةٍ أو عِلْماً.
علماء النفس فسّروا ذلك بكونه نزعة فطرية عند الإنسان، تبدأ بالمحاكاة والتقليد أولاً، إلى أن ينضج الفرد وتتفتح مع نضجه صورة القدوة وشكلها.
اليوم، ومع هذا الزخم الفضائي الإعلامي المهول، وفي ظل فضاء الإنترنت الذي يزخر بأشكال مختلفة من الناس والأفكار والتوجهات والمزاج، هل لا يزال المجال متاحاً لأن يخلق الواحد منا في ذهنه صورة لقدوة يقتفي أثرها ويقلّدها؟!
إن كان الجواب بنعم، فما شكل القدوة اليوم في هذا الفضاء الإلكتروني الشاسع والمخيف في تعدديته؟ بالنسبة إلى جيل الآباء كان خيار القدوة مقنناً ومحدوداً، كما أنه كان محاصراً بقواعد العيب والممنوع والمحظور، وغير ذلك من ضوابط مجتمعية صارمة. كانت القدوة لنا في طفولتنا تنحصر في المُعَلِّم، أو أحد الوالدين، أو ربما في صديقة أو صديق، وفي أسوأ حالاتها – على الأقل بالنسبة إلى معايير ذلك الزمن – فإنها كانت تمتد خارج دائرتها الضيقة لتشمل فناناً أو فنانة!
المشكلة في مسألة القدوة اليوم أنها أصبحت أحياناً من العالم الافتراضي، أي قدوات وهمية خيالية في الشكل والصوت! فالأطفال اليوم أصبحوا يقتدون بشخصيات من عالم الألعاب الإلكترونية هي في الواقع هلامية، لكن الطفل يعمد إلى تجسيدها من خلال تقمص أدوارها بشكل أصبح يشكو منه الآباء اليوم!
وبالطبع كان لسيطرة المال والمادة الدور الأكثر بشاعة هنا في رسم صورة القدوة، حيث أصبحت للهيئة الخارجية أولوية في رسم صورة القدوة في أذهان الشباب اليوم، فلم يعد للإبداع والفكر دور يُذكر في تحديد من يكون القدوة الأفضل بقدر ما أصبح المعيار الأهم مرتبطاً بالزي الخارجي ونوع السيارة ورصيد البنك وغيره!
لا نريد أن نلقي اللوم على الشباب هنا في هذا التغيير في مفهوم القدوة، فهم ضحايا الإعلام وفضائيات ورادارات تواصل ومفاهيم غزت عقل البشرية في الألفية الثالثة.
كان سقراط جالساً بين تلاميذه يخوضون في مواضيع شتى، وهو يصحح ويقيّم لهم آراءهم، فجاء أحدهم ووقف أمام سقراط يزهو بنفسه وبشكله الوسيم وملابسه الغالية الثمن، فنظر إليه سقراط طويلاً ثم قال جملته الشهيرة التي أصبحت مثلاً: “تكلم حتى أراك”!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى