
استوقفني منذ حوالي أسبوعين إعلانان، الفارق الزمني بين صدور الأول والثاني هو يوم واحد فقط، لكن الفارق في الرؤية والوعي والحكمة قد يكون عدة سنوات ضوئية!
الإعلان الأول كان من “مركز هارموني هاوس للتأمل”، الذي أعلن عن برنامج محوره إيجاد الشجاعة للقيام بالتغييرات اللازمة في حياتنا والعالم من حولنا، وأنه لا بد من أن نستيقظ ونلاحظ كيف أن أفكارنا، كلماتنا، وأفعالنا لها تأثير كبير في الطبيعة من حولنا! وأنه يمكننا البدء من اليوم باتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ التغييرات المؤثرة اللازمة لجعل حياتنا وحياة الآخرين والعالم بأجمعه مكاناً أكثر سلاماً وسعادة!
وقبل يوم من إعلان “هارموني هاوس” الجميل والداعي إلى الانفتاح على الآخر وتعميم السلام على العالم من حولنا! كان هناك إعلان من نوع آخر، يحمل دعوة إلى الانغلاق فكرياً وإنسانياً، بل وحتى معرفياً!
المشكلة أن الإعلان صادر عن إدارة الإفتاء في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بالتعاون مع قسم العقيدة والدعوة في كلية الشريعة. الإعلان كما نص يدعو إلى محاضرة أكاديمية تأصيلية حول حقيقة تأثير الطاقة، ثم يمعن الإعلان في التقوقع ليعلن عنوان المحاضرة، الذي ينص على ما يلي: “الفكر الفلسفي الشرقي الوافد ومنهج التعامل معه”!
لم يدع القرآن ولا السنة النبوية الناس إلى الانغلاق على الآخرين، ممن يختلفون معهم بالفكر، بل على العكس من ذلك تماماً، فالآية الكريمة تنص على F ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣ﵞ ﵝالحُجُرَات : ﵓﵑﵜ F، وباب التقوى هنا غير محدد بل هو مفتوح!
وما يروى عن الرسول c من حكايات وعبر تشير إلى مدى انفتاحه على الثقافات الأخرى، مما قد لا يسعنا المجال هنا للوقوف عليه كله، ومنها ما يقول مثلاً: إن حفر الخندق للدفاع لم يكن معروفاً عند العرب، لكنه كان من فنون الفرس، وكان الذي أشار بحفره سلمان الفارسي، فقال: يا رسول الله كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر الرسول c بحفره، وعمل فيه بنفسه، ولم يكن العرب يعرفون العبرانية، فأمر الرسول c زيد بن ثابت أن يتعلمها! كما يروى أن النبي أراد أن يكتب كتاباً، فقالوا له إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة نقشه “محمد رسول الله” وختم به كتابه!
ومضى المسلمون بعد ذلك في الانفتاح الشامل على الثقافات من حولهم حتى نقلوا كتب اليونان والرومان والفرس إلى العربية في أواخر عهد بني أمية، والدولة العباسية!
الحضارات والثقافات هي امتداد لبعضها، ولا تلغي ثقافة ثقافة أخرى بل تكملها، ولتأتي حصيلة الإرث الثقافي البشري كخليط مختلف عبر التاريخ!
دعوة وزارة الأوقاف تحمل في طياتها تشكيكاً مبطناً بثقافات وفكر الشرق، بينما تحاور محاضرة مركز “هارموني هاوس” العقل البشري المنفتح دوماً على كل ما تزخر به الحضارة العالمية من فكر وثقافة! فشكراً لهارموني هاوس.
