الأرشيف

لماذا لن يسقط تمثال هتلر؟

[جريدة القبس 23/6/2020]

من يكتب التاريخ؟ سؤال أثاره مؤخراً سقوط تماثيل لرموز برزت في تاريخ أممها، أسقطتها جموع من المتظاهرين في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى، حيث تطالب “حملة الإطاحة بالعنصريين” بأنه يتعين على بريطانيا التخلي عن تاريخ هذه الرموز بعد أن أسقط أنصار حملة “حياة السود مهمة” تمثال تاجر الرقيق “أدوارد كولستون” في مدينة بريستول وألقوه بحراً، في ظل تنامي الجدل حول مستقبل العديد من المعالم الأثرية في بريطانيا، حيث تحوي قائمة الإزالة 78 تمثالاً في 39 مدينة ومنطقة داخل وخارج لندن.
في التاسع من أبريل عام 2003، وفي مشهد تاريخي، توجه العراقيون إلى ساحة الفردوس لإسقاط أكبر تماثيل صدام حسين، كما لو أنهم يحاولون بذلك تصحيح التاريخ أو إعادة كتابته، ولم يكونوا أول من فعل ذلك، فتحطيم التماثيل باعتبارها شاهداً على رموز، وبالتالي حقب محددة في التاريخ، هو نهج مارسته ثقافات وأمم عبر التاريخ، فكل أمة، ومع كل حقبة من التاريخ، تعيد صياغة رواية تناقض أو تلغي ما سبقها، لتستمر دورة الحضارة البشرية بين شروق وأفول، تنهض فيها أمم وتسود فيها قصص وروايات، وتسقط فيها أمم أخرى وتنقرض حكاياتها، لكن يبقى للتمثال دوره الأبرز في تخليد الرموز، فقد تختفي الرواية التي نصّبته، لكنه يبقى بهيئته شاهداً على حقبة وعهد ورواية، وقد يجهل الكثيرون تفاصيلها إلى أن تنقلب رواية التاريخ وتتفجر حقائق غائبة، ويعلّق العامة محاكمهم لاستجواب شهود ورواة التاريخ ومصادره.
في خضم الصخب الجماهيري المصاحب لحملة العالم ضد العنصرية، تقوم نيوزيلندا بإزالة تمثال لقبطان بحري بريطاني بعد مطالبة السكان الأصليين بإسقاطه، وفي بريطانيا جرى إسقاط تمثال برونزي يعود إلى عام 1895 لكون صاحبه يعمل في تجارة الرقيق، وفي الولايات المتحدة تدعو رئيسة مجلس النواب إلى إزالة 11 تمثالاً لعسكريين ومسؤولين يرمزون للحقبة الكونفدرالية، وذلك في إطار جهود مكافحة العنصرية، ويبقى السؤال الجدلي العالق: من نصّب هؤلاء أبطالاً استحقوا أن يتم تخليدهم بنُصب أو تمثال؟ بمعنى آخر من كتب ذلك التاريخ ودوّن تفاصيله؟
بالنسبة لابن خلدون، فإن التاريخ فن، ظاهره أخبار الأيام والدول، وباطنه علم بكيفيات الوقائع. ومن هنا فإن التاريخ في أدق توصيف له يتوقف عند من كتبه ومن دوّنه، ولعل عبارة: “التاريخ يكتبه المنتصرون”، تعكس شيئاً من ذلك، فهنالك ظروف سياسية وفكرية تشكل الحالة الثقافية لحقبة ما من التاريخ، وبالتالي تنعكس على كل أدبيات تلك الحقبة، بما في ذلك كتابة التاريخ.
من يكتب التاريخ إذاً؟ جميعنا نكتبه بشكل أو بآخر، فالتاريخ لا توثقه الموسوعات ولا تحفظه المتاحف فقط، بل هو يتحرك دائماً عبر وعي وإدراك كل فرد في كل مجتمع، ومن هنا فإن المهزوم كما المنتصر يشارك في كتابة التاريخ بطريقة أو بأخرى، تماثيل تُنصَب، وأخرى تتهاوى، تحركها ظروف سياسية وفكرية، وروايات وقصص متداولة، فعلى سبيل المثال، لم يتم نصب تمثال واحد لهتلر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لأن رواة تاريخ ما بعد الحرب من المناهضين للنازية وفكرها ورمزها، هُم من انتصر واستطاعت روايتهم للتاريخ أن تستحوذ على السياسة والإعلام فسادت، لذلك يكره العالم بأكمله هتلر، على الرغم من جهل الأغلبية للتفاصيل التاريخية وراء مثل هذا الموقف!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى