الأرشيف

صحافة اليانصيب

[جريدة القبس 12/6/2007]

مع توالي إصدار الصحف الجديدة، تنشط التحليلات لما يتعلق بتأثير مثل هذا الازدحام في السوق الإعلامي المكتوب بالقادمين الجدد على مسار الصحافة في الكويت بشكل عام.
من الأمور التي يتفق عليها كل المحللين أن زيادة أعداد الصحف ستؤدي حتماً إلى زيادة التنافس، وبالتالي إلى مضاعفة الحماس والعمل للاستحواذ على أكبر حصة من القراء، لكن السؤال هنا يدور حول اتجاه مثل هذه المنافسة المرتقبة، وهل ستكون منافسة باتجاه تطوير العمل الصحافي، والصحافة كمهنة، أم أن هنالك أموراً أخرى ستدخل في معادلة التنافس حتى وإن لم تكن ذات علاقة بالصحافة والمهنية.
في تصوري، ومن خلال رصد واقع الصحافة الكويتية الحالي، فإن التنافس لن يكون بالضرورة تنافساً مهنياً، وإنما سيغلب عليه إلى حد كبير طابع التنافس التجاري البحت، والذي سيعمل على توظيف أنشطة وأساليب لا علاقة لها بالصحافة كمهنة.
صحافة “اليانصيب” التي اجتاحت عالم الصحافة الكويتية اليوم ستكون من أبرز مؤشرات التنافس السيئ أو الخارج عن المهنية الحقيقية، وهي، أي صحافة “اليانصيب”، أصبحت مؤشراً خطراً، خاصة في ظل ظروف الكويت الاقتصادية والتي تحظى بكم هائل من السيولة المالية، مما يؤمن للصحف توفير أموال طائلة لجذب “القارئ” أو “الزبون”، والذي يتمتع هو الآخر بالسيولة الكافية للاشتراك في أكثر من جريدة!
صحافة “اليانصيب” هذه تطالعنا يومياً بسحوبات مغرية على جميع أشكال الكماليات والرفاهيات، وبحيث يؤمن الاشتراك السنوي “للقارئ” فرصة دخول اليانصيب، من دون أن يشترط ذلك اطلاعاً أو متابعة جادة لمادة الصحيفة من قبل القارئ “الزبون”، حتى أنه يقال إن ما يقارب ثلث المشتركين في إحدى الصحف المحلية هم من غير المتحدثين أو الملمين باللغة العربية!
ولكن من المسؤول عن مثل هذا الانحراف عن الدور الحقيقي للصحيفة؟ هل هم أصحابها، أم قراؤها من جمهور المتابعين؟ أم الاثنان معاً؟!
هنالك ولا شك مسؤولية يتحملها القارئ تجاه دور الصحافة في المجتمع بشكل عام! ففي المجتمعات المتقدمة يلعب الجمهور دوراً مهماً جداً في مراقبة الصحافة أو في تقييمها بشكل يفرض عليها أن تؤدي دورها المطلوب والمفروض، ففي فرنسا على سبيل المثال ثارت ضجة كبيرة ضد صحيفة اللوموند الشهيرة حين انحرفت عن الطريق الذي رسمه لها الرئيس الفرنسي “ديغول”، وبحيث تكفل الشعب الفرنسي بمهمة الدفاع عن جريدته التي يرى أنها تعكس ضمير فرنسا، فكان أن حرك كتاب “الوجه الخفي لصحيفة اللوموند” الصادر في عام 2003، مشاعر الجمهور الفرنسي ضد تراجع “اللوموند” عن موقعها كسلطة معارضة إلى موقع المتمادي في استخدام السلطة.
القارئ إذاً هو جزء رئيسي من أي صحيفة، ليس بصفته مستهلكاً لسلعة تجارية، وإنما بكونه أداة تقييم، ومصدر فرز في دنيا الصحافة، وهو الدور الذي ينتظر القارئ الكويتي، خصوصاً في ظل الانفتاح الرهيب في عالم النشر والصحافة! والصحيفة الذكية ستكون هي الصحيفة التي تصغي جيداً لنقد القارئ وتقييمه، وبالتالي إلى همومه وشؤونه، وقضاياه!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى