
لم يعد التنافس بين الفضائيات أثناء شهر رمضان مقتصراً على المسلسلات العربية والخليجية، وإنما طال التنافس شيوخ الدين من مقدمي البرامج الدينية، أو ما أصبح يعرف بالدعاة! فكل محطة فضائية تحرص على أن تتفنن في إبراز شيخها وبرنامجها الديني لتستقطب أكبر قدر من المشاهدين!
شيوخ الدين اليوم وخاصة أولئك الذين يحتلون مساحات في النوافذ الإعلامية المختلفة، لم يعودوا كشيوخ الأمس، تنحصر فتاواهم وأحاديثهم الدينية في مجال العقيدة السامية، والروحانية المطلقة، وإنما تلونوا – أي شيوخ اليوم – بكل تبعات الحداثة، والتكنولوجيا، وتداخلت مسؤولياتهم الدينية بالتزامات سياسية وحزبية أثرت، وكما نرى، سلباً على سلوك الداعية أو شيخ الدين الذي لم يعد، وكما في السابق، ينطق وجهه ورعاً وتقوى، وتلفه هالة من النور والروحانية!
عندما كنا صغاراً، كنا نصغي إلى الشيخ عبدالله النوري الذي كان يثقفنا في ديننا من دون تهديد أو وعيد، ومن دون أن يضطر إلى أن يلجأ إلى المقابر والقبور ليعظنا ويرشدنا إلى طريق الفضيلة، ولا أن يستهزئ باهتماماتنا وآرائنا مهما كان شأنها! الطريق إلى الفضيلة وكما عودنا الشيخ عبدالله النوري – رحمه الله – وغيره من شيوخ الزمن الفاضل، لم يكن طريقاً مزروعاً بالترهيب والتهديد والوعيد، وإنما كان طريقاً مفتوحاً بكلمات الترغيب والاستقطاب الهادئ والموزون!
الفضيلة عند الشيخ عبدالله النوري – طيب الله ثراه – لم تكن في زي معين، ولا هيئة محددة، وإنما كانت الفضيلة عنواناً لكل عمل صالح، ولكل كلمة طيبة، بل ولأي نية صادقة وإن كانت في مستقر القلب والوجدان!
اليوم وبكل أسف أصبح للفضيلة وطبقاً لشروط الشيوخ الجدد، زيها المحدد وشكلها الخارجي، حتى وإن لم يعكس فضيلة داخلية! بمعنى آخر، إن الفضيلة أصبحت مسيسة إلى درجة سلبتها جوهرها الحقيقي، فلم تعد الأمانة في العمل فضيلة، ولم يعد التبسم في وجه أخيك المسلم فضيلة، ولم يعد احترام الجار ووصله فضيلة! وحده غطاء المرأة سواء كان حجاباً أو نقاباً، وانغلاقها عن مجتمعها هو الرمز الحقيقي لفضيلة شيوخ الحداثة والتجديد!
في أحد البرامج التي تبثها إحدى القنوات الفضائية، يستضيف الشيخ فيها مسلماً من إحدى الدول الأوروبية استقر به الحال في واحدة من أكثر الدول العربية تخلفاً وفقراً، حيث يعلق الشيخ على سبب اختيار ذلك المسلم الأوروبي لتلك الدولة بقوله إنه لجأ إليها حيث لا خمر ولا خنزير ولا عاريات! هكذا صنف الشيخ أسباب لجوء ذلك الأوروبي إلى تلك الدولة، متناسياً أو متجاهلاً أنها كنظام سياسي ترزح تحت كم من الفساد الإداري والسياسي، ناهيك عن عمليات الخطف وانتهاك حريات البشر فيها، وإدمان القات الذي يعطل الحياة والحركة في مؤسساتها ودوائرها!
لقد اختطف شيوخ الدين الجدد ديننا الإسلامي الحنيف والمتسامح، ووضعوا شروطهم الخاصة للفضيلة، واختلطت بذلك أمور أخرى كثيرة ولم يعد الدين “ما وقر في الفؤاد” وإنما ما اعتلى الرأس والجسد!
