
حين فُتح الباب لإصدار الصحف اليومية في الكويت، تفاوتت آراء الناس بين مؤيد ومعارض وممتنع، لأسباب أغلبها يعود لشكوك الناس في أمكان استيعاب كل هذا العدد من الصحف في بلد صغير المساحة كالكويت، وقليل السكان! الآن يعود الجدل مرة أخرى بالنسبة للمحطات التلفزيونية الخاصة التي أصبحت طرفاً في معركة التنافس نحو مجلس الأمة. ويعود التساؤل من جديد، حول مقدرة الكويت على استيعاب كل هذا العدد من المحطات التلفزيونية، وجدانياً وسياسياً!
التجربة لاتزال في مهدها، والحكم عليها الآن قد لا يكون دقيقاً. لكن ذلك لا يمنع خشية البعض وخوفهم من مدى إمكان ومقدرة تلك الصحف والمحطات التلفزيونية على التمسك بأهم أركان العمل الصحافي والإعلامي، ألا وهو الموضوعية في الطرح والتجرد من الانتماءات المباشرة والانفعالات العنيفة، التي قد تؤثر في مجرى الخبر والمعلومة بشكل علني ومباشر!
صياغة الخبر أو بثه فن وحرفة يدركها العاملون في مجال الصحافة والإعلام، وهو بالتحديد المعيار الأهم في تقييم أي مطبوعة أو محطة! لكن وبكل أسف، لم تلتزم بعض المحطات التلفزيونية والصحف اليومية وبشكل حرفي ومهني بهذا المعيار، فتحولت بعض المحطات إلى ساحات شجار ومقاهٍ للشتم والتهديد وتصفية الحسابات، ولترويج الإثارة والفوضى!
لقد تضاعفت أهمية الإعلام ودوره في عصر ثورة الاتصالات، وأصبحت الصحف والمحطات التلفزيونية طرفاً مباشراً في الصراعات السياسية، ليس في الكويت وحدها، بل في العالم بأسره! لكن مثل هذا الدور له أثر مضاعف في الدول الحديثة العهد بالديمقراطية، أو التي لا تتمتع بحرية تشكيل الأحزاب السياسية التي قد تنظم الانقسامات والانتماءات داخل المجتمع الواحد! ففي العالم تكون الصحيفة، أو المحطة التلفزيونية، ملكاً أو ناطقاً باسم حزب سياسي معين، وليست لشخص أو لأسرة، وبالتالي فإن ذلك يفرض عليها قدراً معقولاً من الموضوعية!
أما هنا في الكويت، فإن الصحف والمحطات التلفزيونية، ربما بسبب المقدرة المالية، هي مملوكة لأفراد، وأحياناً لشخص واحد! مما قد يؤدي إلى طغيان هوية ذلك الشخص وتوجهه وانتمائه على الخبر وصياغته، وبالتالي إلى غياب الموضوعية المطلوبة في الطرح!
المشكلة هنا، ليست في عدم حياد بعض الصحف والمحطات في الانتخابات الراهنة وحسب، وإنما نحن بانتظار مشكلة أكبر في المستقبل، خاصة لما يتعلق بظاهرة الفساد، سياسياً كان أم مالياً.
فالإعلام والصحافة حين يضعفان أو يحيدان عن سلوك المهنة وشروطها، يصبحان وسيلة لترويج الفساد أو تبريره بصورة قد تشوش وتثير مفاهيم وسلوكاً خطأً وبعيداً عن النزاهة! فبعض المحطات تروج وتبرر للمواطنين خروجهم على القانون سواء في التعديات على أملاك الدولة أو نظامها الأمني، بل تساندهم في الفوضى التي شهدتها الكويت في محاولة تحجيم الانتخابات الفرعية وشراء الأصوات، وغيرها من تجاوزات خارقة للقوانين!
يبقى الإعلام جسراً مهماً من جسور التواصل بين المواطنين، وتبقى أدواته مهمة وحساسة في الصراعات السياسية، وتبقى أمام المواطن مهمة الوعي والتمييز بين الجسر المتين والصلب، وبين الجسر الضعيف والمتهالك.
