الأرشيف

البرامج الدينية!

[جريدة القبس 3/2/2009]

من المواضيع المفضلة عادة عند واضعي امتحانات التعبير والكتابة، الموضوع المتعلق بالتأثير السلبي أو الإيجابي للتلفزيون على الأطفال والناشئة، خصوصاً الشق الذي يتعلق بمسؤولية التلفزيون عن تغذية روح العنف لدى الأطفال! وهو موضوع تطرقت إليه دراسات عديدة اجتماعية وسلوكية ونفسية، بخلاف تصدره قائمة المواضيع المفضلة في امتحانات الإنشاء والتعبير والكتابة!
اليوم، وفي ظل الانفتاح الإعلامي الرهيب، أصبح مثل هذا التأثير مضاعفاً، وأصبحت البرامج على اختلافها تتنافس على جذب شريحة الشباب بالدرجة الأولى، ويأتي على رأس هذه البرامج البرامج الدينية الموجهة! والتي لم تعد دينية المحتوى بشكل تام، وإنما تداخلت فيها أمور أخرى عديدة من سياسة واجتماع ومال واقتصاد، أي إنها لم تعد مختصة بالوعظ والإرشاد الديني فقط!
قديماً، وعلى أيام الشيخ عبدالله النوري، رحمه الله، وغيره من شيوخ الدين الفعليين، كانت البرامج التي يقدمونها تنحصر في أمور الدين والشريعة بشكل جعلها متسامية في طرحها عن اللغط الذي تثيره السياسة وتبعاتها. بينما الآن أصبحت البرامج الدينية نوافذ لترويج طروحات وأفكار وتوجهات سياسية يحرص أهلها على تغليفها وصياغتها بأسلوب ديني!
أحد تلك البرامج يروج مقدمها لتيار سياسي متشدد يرتدي وكالعادة عباءة الدين، وحيث يطرح البرنامج تعريفه الخاص جداً للخطيئة والمحرمات عند الشباب! فمقدم البرنامج يختصر خطيئة الناشئة بكونها الجلوس في المقاهي، والمجمعات، وغرف الدردشة الإلكترونية واليوتيوب والفيس بوك، داعياً الشباب إلى ارتياد مبرات الخير ومخيمات التيارات الدينية التي يحرص عليها الشباب الصالحون بحسب تعبيره، مقارنة بالشباب الفاسد، على حد قوله، الذي ارتمى في أحضان المدنية المفسدة!
مساكين هؤلاء الشباب، فلا يكفيهم أنهم في زمن يطرح أكثر من تعريف للخطيئة والخطأ، وانفتاح إعلامي ومعلوماتي يفتح أمامهم آفاقاً من التوجهات والآراء يصعب معها تحديد الخطأ والصواب بشكل دقيق!
أحد هؤلاء الشباب طلب مني أن أكتب هذه المقالة، قائلاً إنه ومن في جيله يتمنون لو أن واحداً فقط من هذه البرامج الدينية تطرق إلى قضية الإرهاب وقتل النفس بغير حق، وترويع الآمنين، وأسلوب الدعوة الفج الذي ينتهكه بعض المتشددين، وحالة الفوضى في تعريف الجهاد وشروطه، وغير ذلك من أمور انتشرت بين جموع كبيرة من الشباب بشكل أصبح ينذر بالخطر! يتمنى ذلك الشاب لو أن أحداً من هؤلاء “الشيوخ” الجدد الذين تعج بهم الفضائيات تناول بالشجب تطرف بعض شباب الصحوة في تغيير المنكر، وتماديهم في نشر رؤاهم وتوجهاتهم، وكسب أقرانهم بالحكمة والموعظة الحسنة، بدلاً من جلد الصحراء، وغلاظة القول!
من المؤكد أن هنالك قصوراً في الأسلوب الذي يتبعه دعاة وشيوخ البرامج الدينية، أدى إلى نفور الشباب بدلاً من استقطابهم، فالجريمة في ازدياد، والمخدرات كذلك، والأخلاق أصبحت من سمات الماضي، والإلحاد أصبح موضة بين الشباب! أما المسؤولية الأولى عن ذلك فتقع على الذين حولوا الدين من مصدر للأخلاق والسلوك الحسن والتسامح والحب، إلى أداة لبث الترهيب والكراهية والتطرف ونبذ الآخر!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى