الأرشيف

نريد قناة إخبارية

[جريدة القبس 28/12/1998]

منذ ما يقارب العامين أو أقل، كتبت مقالاً في إحدى الصحف المحلية، تطرقت فيه إلى بعض السلبيات التي تعاني منها إحدى دول الخليج. ولكي يكون النقد موضوعياً، فقد رجعت في كل ما ذكرته من معلومات وملاحظات إلى تصريحات رسمية صدرت عن جهات وشخصيات مسؤولة في ذلك البلد الخليجي، تتحدث كلها عن القضية نفسها التي أثرتها في المقال!! وقد كان أن استاءت الجهات المسؤولة في ذلك البلد مما ورد في المقال، ورفعت شكوى قضائية، فتمت إحالتي إلى المحكمة وجرت محاكمتي في وطني، وتحت مظلة قضائي على “الإساءة” التي تضمنها المقال وذلك من وجهة نظر تلك الدولة!!
وصدر الحكم في ما بعد ببراءتي من تلك “التهمة” بعد أن قمت بتزويد المحكمة بصور من تلك التصريحات الرسمية التي كانت مرجعي الأول في ما ذكرت من تفاصيل!! إلا أن تلك الدولة الشقيقة أصدرت حكمها بمنعي من الدخول واعتباري شخصاً غير مرغوب فيه!!
اليوم، ووطني يتعرض لهجوم إعلامي مكثف، يفتقد لأدنى درجات الموضوعية والتجرد، استعيد تلك الحساسية الخليجية، وأنا أتابع كل قنوات الهجوم وأبحث في مفرداته عن مرجعية توفر للمهاجمين مصداقية في ما أبدوه من نقد ورأي!! وإذا كانت جبهات الهجوم الإعلامي قد أتت من كل صوب وجهة، فإن اللوم الأول يقع على دول الخليج بالتحديد، قبل أي دولة عربية أخرى!! وإذا كان مشهد الأخوة السوريين وهم يحملون صور قاتل العراقيين فوق رؤوسهم مشهداً محزناً ومُبكياً ومؤلماً جداً، فإن حديث الأشقاء الخليجيين، هو بلا شك أكثر حزناً، وأقوى ألماً!! لأن الرد على نقدهم وهجومهم سيكون نبشاً في جروح تؤلمنا جميعاً!!
فالوضع القائم، سواء من حيث التواجد العسكري البريطاني – الأمريكي، أو من حيث الهيمنة الغربية على الاقتصاد والنفط، أو حتى من حيث محطات انطلاق الطائرات التي قصفت العراق، هو بالتأكيد وضع لا يسرنا أبداً، غير أنه وضع مفروض علينا تماماً كما هو مفروض على قطر، وعلى الإمارات، وعلى السعودية، وعلى البحرين، وسيكون على العراق مستقبلاً!!
إن المشكلة والأزمة الحقيقية التي نقف جميعاً أمامها الآن، هي بالتأكيد ليست في ذلك التواجد الأجنبي، ولا في هيمنة النفوذ والآلة العسكرية الغربية، وإنما هي في أننا آخذون في الابتعاد عن أسباب ذلك الوضع المؤسف والغوص في صراع جانبي، يترجم تذمرنا الداخلي من حالة الانحطاط التي وصلنا إليها والتي تجعلنا نبحث عن متنفس نثور ونزبد ونرغي من خلاله بعد أن عجزنا عن مواجهته والتعامل معه بصورة تمنحنا شيئاً من الموضوعية والرزانة!!
نتمنى كدول خليجية، تخضع للظروف والأوضاع المحزنة نفسها، أن لا نستهلك كل تلك الطاقات الإعلامية في هجوم مضاد يخرج منه الجميع خاسراً، ويكفي أن نتذكر هنا، بأن طموحات دكتاتور العراق قد أخمدها ذلك الحضور الغربي عن الامتداد إلى كل العواصم الخليجية، وأن تهديدات طاغية بغداد قبل كارثة الغزو، قد شملت دولاً خليجية أخرى!! إن الإعلام بلا شك، خاصة في ظل التطور الهائل لوسائل الاتصال، يعتبر سلاحاً ماضياً لا يقل في أهميته عن الأسلحة التقليدية وغير التقليدية!! وهو السيد الأول الذي يؤهل لأي قضية فرصة أكبر ويمنحها حظاً أوفر من الانطلاق نحو وعي الناس وإدراكهم!! ونحن في هذا الوطن نملك من القضايا ما يستطيع أن يشغل قنوات إعلامية تبث على مدى أربع وعشرين ساعة بلا توقف!! وقضية الأسرى وحدها، من القضايا الإنسانية التي نستطيع أن نحصل على إجماع عالمي بنصرتها لو توفر لها إعلام ذكي منتشر بصورة جيدة!!
لقد آن الأوان الآن، ونحن نعيش في عصر الإعلام، ونشهد المعارك الإعلامية من حولنا، أن نُصر على قناة إعلامية إخبارية، تنقل قضايانا وهمومنا إلى خارج حدود الوطن!! وبموضوعية وتجرد يجعلان منها نموذجاً للعمل الإعلامي المتزن والواثق يقتدي به الآخرون!! فنحن قطعاً لا نريد إعلاماً يُرهق مقوماته ويستهلكها في التصدي لتشنجات وانفعالات لا تخدم قضية ولا تطرح مشروعاً!!
لقد قدمت الكويت كدولة وكنظام نموذجاً ناضجاً للديمقراطية وحرية الفكر والرأي، وعليها الآن أن تطرح مثالاً للإعلام الحر الملتزم بالحوار الموضوعي، والطرح الحضاري والمجرد، الذي تؤلمه السلبيات أياً كان مصدرها، من دون أن يكون وجعها مضاعفاً حين تكون موجهة إلى الذات!! فتحاكم، وتحجر وتسجن كل من يذكرها بضعفها، أو بعجزها وسلبياتها!! ويسلك اتجاهاً معاكساً لها في الرأي!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى