الأرشيف

الحرب على “الجزيرة”

[جريدة القبس 26/3/2003]

وقعت الحرب وأطلت من فوهة مدافعها هواجس الخوف والقلق من المستقبل، وأكدت صواريخ “سكود” و”الصمود” الموجهة إلى المدنيين في الكويت صدق المخاوف الكويتية والدولية من عنف وعدوانية صدام حسين ونظامه!
الحرب القائمة هي بين نظام بغداد والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أن الكويت قد أعلنت مراراً عدم مشاركتها في الحرب على العراق، وكررت في أكثر من موقع أنها ليست طرفاً مساهماً فيها، إلا أن نظام بغداد الفاسد يصر دوماً على أن تكون الكويت داخل حلبة المعركة والقتال، إما بإطلاق صواريخ “سكود” و”الصمود” على المدنيين فيها وإما من خلال التصريحات العراقية الرسمية التي تصر على إشراك الكويت في الحرب.
بالنسبة للكويت هنالك عدو محدد وواضح، ونعني بذلك نظام صدام حسين والكويت، رسمياً وشعبياً، لا تخفي ذلك ولا تنفيه، وإنما على العكس فهي تصر على تسميته والإعلان جهراً أن نظام صدام حسين هو عدوها الأول الذي تتطلع إلى الخلاص منه!
لكن العدو الآخر المتستر برداء “الإعلام الحر” و”الرأي الجريء” لا يقل شراسة ولا مكراً عن شراسة نظام بغداد الجائر! هو عدو لم يتوانً عن التشمير عن ساعديه منذ اللحظة الأولى للحرب ليفعل كل ما بوسعه في سبيل بث الذعر والخوف، وتحطيم المعنويات الكويتية، وتحميل الكويت، شعباً وحكومة، مسؤولية الحرب على العراق!
“قناة الجزيرة” الإخبارية هي عدو لا يقل في عدوانيته وشراسته عن آلة البطش والعدوان الصدامية! هي عدو لأنها لا تترك فرصة تعبر دون أن تبحث فيها عن مدخل لتحطيم الروح الكويتية، وترويج الإشاعات المغرضة والهادفة إلى فتح جبهة حرب نفسية ضد الكويت!
من الواضح أن الإعلام يلعب دوراً بارزاً جداً في هذه الحرب حتى أصبحت تسمى بـ”حرب الإعلام”، فالإعلاميون اليوم يرافقون الآليات والمدرعات تماماً كالجندي المحارب! ووفقاً لهذه التسمية، فإن عدونا الأول هنا هو قناة “الجزيرة” تماماً كما هو نظام بغداد الجائر في الحرب العسكرية! وإذا كانت هنالك أخلاقيات للحروب ومواثيق وضعتها هيئات دولية، وتلتزم بها الدول كلها في صراعاتها وحروبها، وهي أخلاقيات اخترقها نظام بغداد وعبث بها! فإن قناة “الجزيرة” قد شوهت العمل الإعلامي وزورت مصداقيته التي تعتبر من أهم مقومات العمل الإعلامي الجاد والحقيقي.
لقد مارست قناة “الجزيرة” ومنذ إنشائها حرباً إعلامية شرسة تجاه الكويت التي كانت دائماً تترفع عن أن تنحدر إلى مستوى هذه القناة في الطرح الإعلامي الهابط، وآن الوقت لأن يكون للكويت موقف جاد وحازم تجاه ما تطرحه قناة “الجزيرة” من أقاويل مغلوطة، وما تثيره في النفس الكويتية من إحباط ويأس، وهو موقف تمليه على الكويت ظروف الحرب العسكرية الدائرة مع كل ما يشكله طرح قناة “الجزيرة” من تهديد لأمن الكويت القومي.
لقد عبر بعض قادة التحالف الدولي سواء البريطاني بلير أو الرئيس الأمريكي بوش عن أن من أهداف الحرب على العراق هو تخليص الشعب العراقي من دكتاتورية مزقته، ولعبت بمقدراته، وكذلك قطع الطريق على أي دكتاتور أهوج قد تدفعه نفسه لممارسة بطش صدام حسين وعنفه، وقناة “الجزيرة” بصورتها ونهجها الحالي تساهم ولا شك في بناء دكتاتوريات كدكتاتورية صدام حسين، وتعتبر ملاذاً لكل مرتزقة الكلمة والمتاجرين بالرأي والحوار من أشكال عبدالباري عطوان ومصطفى بكري والدكتور المسفر وغيرهم.
قد يرى البعض أن نقد الكويت لقناة “الجزيرة” يأتي متناقضاً مع روح الكويت الديمقراطية، وأن قناة “الجزيرة” تعبر عن رأي من لا رأي له، وهو أمر يحمل تشويهاً كبيراً وجسيماً للهوية الإعلامية، وللدور الإعلامي في توعية الشعوب وتثقيفهم وليس في تضليلهم وتأجيج حمى الكراهية والبغضاء بينهم، وكما فعلت “الجزيرة” حين خلقت صراعات عربية ـ عربية عقيمة على ساحة المجتمع السياسي العربي في سبيل تحقيق طموحاتها الإعلامية، تماماً مثلما أجرم صدام حسين في حق شعبه وأمته ليحقق فوق أنقاضها طموحاته السياسية البشعة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى