الأرشيف

إعلام “الراي”

[جريدة القبس 11/9/2004]

مع بدء البث في قناة “الراي” التلفزيونية تبدأ الكويت خوض سباق الإعلام الخاص، الذي حمي وطيسه أخيراً، واجتاح وبشكل كبير العقلية العربية التجارية.
قد لايزال الوقت مبكراً على تقييم قناة “الراي” بشكل موضوعي ومجرد لكن ذلك لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات على هذه البداية.
بداية من الواضح أن هذه القناة الجديدة تتحدث بلغة العصر الحديث وتحاكي المزاج العربي السائد في يومنا هذا، فمحاولة استقطاب المشاهد العربي لمتابعة قناة “الراي” هي بلاشك محاولة ذكية وناجحة مبدئياً، فهذا الزخم الهائل من المسلسلات العربية والخليجية الذي دشنت به قناة “الراي” بدايتها، هو بالتأكيد بداية ناجحة لأنه يحاكي الذوق العام والسائد! لكن هذا وحده لا يمكن أن يبني أساسات قناة تلفزيونية طامحة للدخول في سوق تنافس الفضائيات الذي تشهده الساحة الإعلامية العربية.
لقد تحرر الإعلام في المرحلة الراهنة من سيطرة الدولة، والسياسة، وأصبحت قنوات التلفزيون بما فيها القنوات المملوكة للحكومات تسعى جاهدة إلى عدم إبراز أو تحديد هويتها الفكرية أو السياسية قدر المستطاع والتركيز على الطرح الموضوعي الذي أصبح مفتاح الانتشار والانطلاق للقنوات التلفزيونية! لكن ذلك على ما يبدو لم يتحقق بعد في قناة “الراي”، حيث جاءت أغلب البرامج والقضايا المطروحة مخاطبة المواطن الكويتي بصورة جعلتها أقرب إلى محطة تلفزيونية كويتية وليست محطة فضائية موجهة إلى خارج نطاق الكويت كدولة ومخاطبة مجتمعات وتوجهات أبعد من المجتمع الكويتي.
لقد أصبح الإعلام اليوم، خاصة المرئي منه، أكثر قوة ونفوذاً من المؤسسات السياسية بما فيها البرلمان، بل أصبح أهل السياسة يستعينون بمحطات التلفزة للإدلاء بتصريحاتهم واستعراض مشاريعهم، ولم تسلم من ذلك حتى أعرق الديمقراطيات وأكثر المجتمعات السياسية تمسكاً بالتقليد القديم في أسلوب الاتصال بين الدولة من جهة والجماهير من جهة أخرى، وأعني هنا بريطانيا وبرلمانها العريق، حيث أصبح رئيس الوزراء يستعين بمحطات التلفزة لمخاطبة الجماهير بل والتصريح عن برامج الحكومة المقبلة في أجهزة الإعلام بعد أن كان ذلك مقتصراً على برنامج تبثه الأجهزة المختصة في البرلمان الإنكليزي.
قد تكون قناة “الراي” اختارت متعمدة شهر رمضان ليدشن بدايتها في عالم الفضائيات الشاسع! وهو بلا شك اختيار حكيم، فالعالم العربي تتضاعف ساعات مشاهدته لبرامج التلفزيون في رمضان، كما أنه اعتاد، بل أدمن متابعة برامج محددة، في شهر رمضان استطاعت المحطة الوليدة أن توفرها له، وبذلك فهي نجحت في استقطابه، لكن التحدي الآن أمام محطة “الراي” هو في التحول بعد رمضان إلى محطة تنمي وتساهم في تنقية الوعي العربي من الشوائب التي خلفتها محطات عربية قدمت للشارع العربي أنصاف الحقائق، وساهمت وبشكل مباشر في تمزيق الصف العربي وبث الفتن بين مواطنيه.
إن الإعلام الذي يساير رغبة الجماهير دون أن يؤدي دوره في توعيتها وتنمية مداركها هو إعلام ضعيف فاقد للهوية والهدف! وهو بكل أسف واقع إعلام الفضائيات العربية! التي إما هي محطات إخبارية تروج الأكاذيب وتثير النزعات الطائفية والعرقية والسياسية وإما محطات هابطة، تقدم طروحات هزلية باسم الفن والغناء وتساهم في سقوط الذوق العربي إلى الحضيض.
وفي خضم هذا الواقع يبرز التحدي أمام محطة “الراي” الوليدة التي أصبح الناس يأملون فيها صورة جديدة لإعلام ناضج يساهم في بناء وعي تسنده الموضوعية في الطرح والعقلانية في الحوار ويعيد للإعلام العربي بعضاً من وعيه المفقود ومساره المعكوس.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى