
لقد وقع الكثير من الضحايا من جراء الألغام التي خلفها الغزو العراقي الغاشم وما زال عدد الضحايا ينزف من دون أن يأخذ هذا الأمر أي حيز إعلامي.. فلماذا لا يستفاد من ذلك في حملة إعلامية تقدمنا وتقدم قضايانا للمجتمع الدولي**
توفي في الأسبوع الماضي طفل في السابعة جراء لغم أرضي أودى بحياته، كما أوقع في طفل آخر كان بصحبته إصابات ستترك أثرها عليه طوال سنوات عمره.
وكالعادة جاء ذكر هذه الحادثة بصورة مختصرة.. وهامشية، احتلت مساحة صغيرة على صفحات الجرائد على الرغم من أن قضية الألغام، التي خلفها غزو النظام العراقي، وضحاياها.. أصبحت قضية شبه يومية، يعاني منها الكثيرون، ويعيش تبعاتها أطفال وكبار، وتحاصر مستقبل شريحة كبيرة من أبناء هذا الوطن، إلا أنها لم تشهد بعد تعاملاً جيداً، يدفع بها لأن تكون قضية لا تقل حساسية وأهمية عن قضية الأسرى.
أجهزة الدولة المسؤولة، وعلى كافة المستويات، لا تكف عن التطرق لغبن ولأكاذيب آلة إعلام نظام بغداد، التي استطاعت وبكفاءة تحسد عليها، ولا ينكرها أحد، أن تسرق الكثير من التعاطف الدولي، والعربي، من خلال إبراز معاناة الشعب العراقي بشكل مجهري ومركز خاصة على معاناة المدنيين والأطفال، وعلى شح المواد الغذائية والدوائية. وهو استخدام ذكي استطاع أن يسخره النظام الحاكم في سبيل بقائه واستمراره، بل وقبوله عند بعض الدول، على الرغم من مساهمته المباشرة، بل ومسؤوليته الأولى عن كل مظاهر المعاناة تلك.
نحن نعلم في هذا الوطن، وربما أكثر بكثير من غيرنا أن هنالك جانباً كبيراً من الافتراء والتنصّل من المسؤولية، يمارسه الإعلام العراقي في كل مشاريعه الإعلامية. وأن هنالك استخداماً بشعاً، وتسخيراً مقززاً لمعاناة المدنيين والأطفال العراقيين من قبل النظام الحاكم في بغداد. غير أننا أيضاً نعلم أن ذلك قد أدى إلى نتائج إيجابية يقتات منها نظام بغداد الحاكم. ومن هنا فإن النقد الذي يوجهه الكثيرون لإعلامنا في هذا الوطن، لعجزه عن تسخير قضايانا ومعاناتنا في سبيل خدمة قضايانا سواء في المجتمع الدولي أم العربي، لا يعني أننا نطالب بإعلام كاذب، أو طرح افتراءات لا صحة لها على أرض الواقع. وإنما هو نقد لغياب إعلامنا في قضايا حقيقية، خاصة ما يتعلق منها ببعض القضايا ذات الاهتمام الدولي كقضية الألغام مثلاً، وهي قضية حظيت مؤخراً بحيز كبير من الانتشار الدولي حين فازت الحملة الدولية لمنع الألغام الأرضية مؤخراً بجائزة نوبل للسلام، بينما ينتظر المجتمع الدولي توقيعاً لمشروع اتفاقية عالمية لحظر الألغام في “أوتاوا” في ديسمبر 1997.
فعلى الرغم مما توفره فرصة كهذه، تدفع بقضية أصبحت مصدر معاناة لنا في هذا الوطن، إلى صدارة الاهتمام الدولي. إلا أننا لم نلمس بعد تعاملاً ناضجاً، أو تسخيراً مدروساً يتبناه إعلامنا لشد انتباه العالم وخاصة المنظمات الدولية غير الحكومية، والتي تبنت تلك الحملة الدولية، إلى واقع معاناتنا من الألغام وخاصة الأرضية منها.
لا نريد أن يكون حديثنا عن الألغام حديث النفس للنفس. أي أن تردد أجهزة الإعلام على مسامع المواطن، تبعات تلك المأساة التي خلفت إلى الآن ضحايا ومعوقين يشكلون نسبة لا يستهان بها مقارنة بحجمنا السكاني الصغير ولا نريد أن يكرر إعلامنا أخطاءه وإخفاقاته التي مارسها في عرض قضية الأسرى من قبل؛ فبين أيدينا الآن فرصة نادرة للتنسيق بين واحدة من قضايانا وبين الاهتمامات الدولية. وتلك مسؤولية تقع على كاهل المؤسسة الإعلامية بكل مجالاتها وتخصصاتها، للخروج بقضية الألغام إلى خارج حدود مستشفى الرازي، وبرامج الجيش والشرطة الإذاعية والتلفزيونية. واقتحام المؤسسات والهيئات العالمية، خاصة غير الحكومية منها!!
إن آلاماً كثيرة، ومعاناة بلا حدود، وجروحاً دامية تنزف، وتقف بانتظار طرح جاد وناضج يخرج بها ويجمعها بأمثالها من معاناة الآخرين. فعلى الرغم من كل ما بحوزتنا من مقومات للبدء بمشروع إعلامي يقدمنا ويطرحنا للاهتمام والتضامن العالميين. إلا أننا لا نزال نفتقد المبادرة والجدية لمشروع كهذا فهل ستكون حياة طفل السابعة هذا مدخلنا لإدراك ويقين أكبر بمسؤولياتنا!! أم يبقى دمه كالدماء السابقة خبراً صغيراً مصحوباً بصورة، وتحذيراً من ارتياد البر، يبثه التلفزيون عبر “مساء الخير يا كويت”؟!!
