غير مصنف

الإعلام.. استراتيجية مستقبلية.. لا فزعة آنية

[جريدة الطليعة 9/4/1997]

قد لا تكون المصادفة وحدها هي التي جعلت زيارة وزير الإعلام إلى قطر لبحث إساءة المحطة الفضائية “الجزيرة” للكويت تأتي في ذات الأسبوع الذي عقدت فيه جمعية الخريجين ندوتها حول “الإعلام الكويتي.. تحديات القرن المقبل”. حيث كان محور الحديث فيها حول مكامن الخلل في مسيرتنا الإعلامية بوجه عام، والقصور والتردي الذي يسود آلة الإعلام في عالمنا العربي بصفة أشمل. كما نوهت الندوة إلى ضرورة البدء ببرامج تنسيق بين أجهزة الإعلام العربية تحقق أهدافاً تتماشى مع وحدة الأهداف والطموحات المشتركة.
الإعلام في زمننا الحاضر أصبح جهازاً جباراً وآلية من آليات التصدي والنضال وطرح القضايا المصيرية، بفاعلية وأداء لا يقل عن أداء الجيوش والأدوات القتالية. وبحيث أصبحت الوحدة الإعلامية تسبق كل المبادرات الرامية إلى التنسيق والتعاون السياسي والاقتصادي.
وانطلاقاً من هذه الأهمية فقد سعت دول الخليج من خلال بنود ومواثيق مجلس التعاون الخليجي للتأكيد على ضرورة البدء في توحيد النهج الإعلامي الخليجي. غير أن المعوقات التي تعترض مثل هذه المشاريع كانت كثيراً ما تبرز وتلغي في طريقها أي مشروع جاد نحو وحدة إعلامية حقيقية. وهي ذات المعوقات التي تقف دائماً في وجه كل مشاريع التعاون والتنسيق الخليجي.
لقد أفرز غزو النظام العراقي للوطن واقعاً وجديداً، يحمل تحديات مصيرية قاسية ويتطلب وعياً وإدراكاً ودوراً جديداً يفترض بدول الخليج أن تدركه وتعمل بشروطه.
والواقع الذي أفرزه الغزو ليس واقعاً مؤقتاً، ولا هو رهن لحادثة الغزو وحسب بل هو الواقع الذي سيكون سمة المستقبل المقبل وأساس معطياته وتوقعاته السياسية والاقتصادية فالتهديد الذي يجابه خطط الأمن الخليجي، لم يعد مجرد احتمال، بل هو حقيقة يتعين على دول المنطقة أن تعيشها وتدركها.
لقد لعبت وحدة الإعلام الخليجي إبان كارثة الغزو دورها ينضج وفاعلية، فرضها إحساس مشترك بوحدة المصير ومصادر الخطر، فكان الإعلام الخليجي مساهماً بصورة مباشرة في عملية الضغط على النظام العراقي يومها.. وفي دعم ومساندة الشعب الكويتي المحاصر وهي مساهمة معنوية لا تقل في أثرها عن المساهمة القتالية.
اليوم، تقف المنطقة ودول الخليج في مجابهة وضع ليس أفضل من وضع الغزو المأساوي والمؤسف. بل هو وضع أكثر حرجاً وخطراً. فإفرازات الحروب ومخلفاتها هي بلا شك أكثر تهديداً من الحروب ذاتها. والتنسيق والتعاون الخليجي الذي كان قائماً إبان الغزو، لا يجب أن يكون مرحلياً أو وقتياً لأن الخطر ليس كذلك.
نعود إلى قضية محطة “الجزيرة” الفضائية لنسوقها مثلاُ على ذلك الخلل في إدراك الخليج وأنظمته السياسية لأهمية التنسيق وحتميته المصيرية. وقد لا تهم كثيراً تفاصيل اللقاء الذي أجرته محطة “الجزيرة” الفضائية، والذي مس الكويت شعباً وكياناً ووطناً، بقدر ما يهم هنا إدراك أن ما جاء في محطة “الجزيرة”.. هو نتيجة لغياب التنسيق والتعاون الإعلامي الخليجي.
البعض رأى في ما بثته محطة “الجزيرة” الفضائية، ممارسة مشروعة لحرية الرأي والقول تنسجم مع مناداتنا جميعاً بالديمقراطية، وحرية الإعلام والصحافة، غير أن حرية الرأي تحمل في إطارها المسؤولية الفكرية، والتي من أول شروطها الطرح الموضوعي، والمصداقية في ما يبث أو ينشر. ولا يتصور أحد منا في هذا الوطن، أو في أي موقع كان من هذه البقعة الخليجية، أن يكون في ما طرحه رئيسا التحرير “العربيين” عبدالباري عطوان، وأحمد الهوني أدنى قدر من الموضوعية أو المصداقية. إلا إذا كان إصرارهما على أن الكويت هي “المحافظة التاسعة عشرة” يعد أمراً مفروغاً منه وحقيقة دامغة لا غبار عليها، لدى القائمين على محطة “الجزيرة” الخليجية.
حسناً فعلت وزارة الإعلام في هذا الوطن باحتجاجها الرسمي على ما بثته “الجزيرة” بدلاً من أن تتبارز الأقلام في معارك جانبية، تخسر فيها الأطراف كلها. ولعلّ في ذلك خطوة أولى نحو تنسيق إعلامي خليجي مدروس، يخدم قضايا المنطقة بدلاً من إشعالها.
فقطعاً، لا أحد يريد أن يتحول ذلك الاتحاد الإعلامي الخليجي إبان الغزو، إلى مجرد “فزعة” بدائية وليدة لحظة خوف عابرة بل استراتيجية مستقبلية واعية ومدركة لدور الإعلام وأهميته في الإعداد لكل مشاريع التعاون والتنسيق بين دول المنطقة وشعوبها وحتى لا تحكم المصادفة قرارتنا.. بل الرؤية إلى ما هو أبعد من لحظتنا وأعمق من انفعالاتنا وتشنجنا.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى