
سيبقى صدى إيقاف المسلسل العربي الناجح “أخوة التراب” عالقاً بالرغم من حجم الردود وعدد الملاحظات التي أبداها الكثيرون حول المسلسل!! كانت إحداها رؤية الدكتور خلدون النقيب والتي اتسمت ببعدها التاريخي، وطرحت تساؤلاً جدلياً حول معيار الحقيقة في التاريخ!!
لا شك أن وقف المسلسل يعتبر أولاً دلالة على تجاهل وزارة الإعلام للمواطن المشاهد ولرغباته ولمتابعاته لما يُعرض من برامج وحلقات!!
أما ثانياً فإن وقف المسلسل يتم عن جهل مطلق بوحدة النظام الدولي للإعلام!! والذي دفعت به ثورة انفجار المعلومات، وثورة الاتصالات التي أصبحت سمة عصرنا الحديث الغالبة!!
لم تعمل ثورة الاتصالات هذه على توحيد هوية الإعلام وحسب، وإنما خلقت ما يمكن أن يوصف بكونه تقسيماً وتصنيفاً اقتصادياً!! فأصبحت هنالك دول صناعية تقوم بإنتاج أو تصنيع المادة الإعلامية وأخرى استهلاكية للمادة ذاتها!!
بل قد أمسى هنالك تصنيف فرعي للإعلام، فأصبح لكل دولة إعلامها المحلي أو صناعتها المحلية لاستهلاك مواطنيها وإعلامها المستورد أو الدولي.
أشارت إحصائية إعلامية صدرت مؤخراً إلى أن العالم العربي يستورد ما يزيد على ثلاثة عشر ألف ساعة سنوياً من البرامج الأجنبية الغربية، وبنسبة تتراوح ما بين 40 و 60 بالمائة من مُجمل ساعات البث السنوي من محطات التلفزيون العربية!! ولقد جاء نصيب الكويت من هذه الإحصائية %77.9 وإذا ما أضفنا إلى نسبة الكويت ما تستورده وزارة الإعلام من برامج ومسلسلات من الدول العربية، فإننا سنجد أنفسنا بالكاد نخرج بشيء من نسبة المائة تلك، ليشكل (صناعتنا) وإنتاجنا المحلي الوطني!!
بمعنى آخر، إننا في هذا الوطن، ووفقاً للطابع الاستهلاكي الذي يميزنا، فإننا نستورد ترفيهنا وتثقيفنا الإعلامي تماماً كما نستورد كل شيء آخر من مأكل ومشرب وملبس!!
الإعلام في حاضرنا هذا أصبح تجارة، لها بائعها ومشتريها، وأسواقها. هو – أي الإعلام– بذلك يخضع ويسير وفقاً للعرف الاقتصادي في الربح والخسارة!! غير أن الجانب الاقتصادي، والذي أصبح طاغياً على صناعة وتجارة الإعلام اليوم!! لا يجب أن يُلغي أو يُهمش دور الإعلام الأساسي، والأهم.. وذلك بكونه أداة ووسيلة لنشر وحفظ التراث والثقافة، كما التاريخ والجغرافيا!! وإذا كانت قضيتنا اليوم مع مسلسل “أخوة التراب” قد أجازت تمويه وإخفاء الحقائق التاريخية في سبيل الحفاظ على الدبلوماسية والعلاقة السياسية!! فإنها ستدفعنا مستقبلاً، وستفتح الطريق لتجاوز قضايا مصيرية وهامة.. هي في أساس تكويننا كأمة عربية لها تراثها ورؤاها.. وتاريخها!!
من إيجابيات وقف مسلسل “أخوة التراب” والتي لا نستطيع أن ننكرها!! أن الجدل حول إيقاف المسلسل قد خلق نقاشاً وحواراً حول ضرورة مد جسور تعاون إعلامي عربي يستطيع مجابهة قضايا مشابهة لقضية “أخوة التراب”!! خاصة أننا كأمة عربية مقبلون على صدام تراثي وثقافي شرس تفرضه محاولات السلام!! وما يعنيه ذلك من دخول إسرائيل المباشر في قلب الكيان العربي.. بثقافتها الغربية والعنصرية.. وتراثها وتاريخها اليهودي.
التعاون الإعلامي العربي أصبح ضرورة لرسم حدود وتضاريس جديدة.. للثقافات والرؤى والتقاليد.. والتاريخ!! وذلك بعد أن أسقطت ثورة الاتصالات كافة التضاريس الجغرافية!! وهو تعاون يتطلب أولاً إدراكاً لأهمية توزيع الأدوار في سوق الإعلام العربي بين دول غنية ممولة للمشاريع الإعلامية وأخرى منفذة ومنتجة!! وسوقاً عربية شاسعة!!
“أخوة التراب” وما صاحبه من منع وتعتيم.. قد أثار ولا شك حاجتنا إلى انتفاضة وثورة عربية إعلامية شاملة نعرض فيها مطالبنا العادلة.. بأن لنا حقاً في أن نروي ونعرض نسختنا العربية من تاريخ وتراث المنطقة!!
