الأرشيف

الأخلاق أساس تقدم المجتمعات

[جريدة القبس 21/5/1992]

أثناء التحضير لأحد برامج الأطفال التي يعدها تلفزيون الكويت.. أجرت إحدى المذيعات لقاء مع أطفال في نادي التزلج على الجليد.. وبما أن البرنامج كان مسجلاً.. وليس على الهواء مباشرة.. فقد رأت المذيعة أن تتدخل في إجابات الأطفال عن الأسئلة التي طرحتها. أحد الأطفال عاد مستاء من تدخل المذيعة في إجابته عن سؤال عن كيف وأين تعلم رياضة التزلج، حيث أجاب الطفل أنه قد تعلم في جنيف، إلا أن المذيعة أصرت على أن تكون إجابته بأنه تلقى التدريب في نادي النصر بالإمارات. وعندما احتج الطفل على ذلك وبكونه غير صحيح، تدخلت المذيعة وطلبت منه أن يكذب في روايته.. وأصرت أن يغير في إجابته لتكون نادي النصر وليس جنيف!!
وبغض النظر عن غرض وقصد المذيعة من وراء الإصرار على ذكر الإمارات بدلاً من جنيف.. إلا أن ما يستدعي الدهشة والاستغراب هنا هو أن المذيعة تطلب من طفل أن يكذب في مواجهة وحضور جهاز إعلامي رسمي يحتاج إلى كل ذرة من الصدق والعلانية والصراحة في طرحه للأخبار والمقابلات.. حتى يتمكن من الحيازة على ثقة جمهور المتابعين له.. بل والأخطر من ذلك أن الفرد المعني في المقابلة.. طفل.. نشأ وتربى.. وهو يرى أمامه قاعدة عريضة للأخلاق.. تعلم ألا يتجاوزها.. يصنف فيها الكذب بكونه أكبر الكبائر.
هذه الحادثة.. وهذه المذيعة نموذج مصغر لظاهرة الكذب في الأجهزة الرسمية.. وهي ظاهرة منتشرة جداً في الوطن العربي.. ومتمكنة من كل ما تبثه وكالات الأنباء العربية.. والإذاعات العربية.. سواء من أخبار.. أو مقابلات ولقاءات. تلك الظاهرة التي تجعل المتابع لأخبارنا يشعر بأن أمورنا على أحسن حال.. وأن الفرد العربي يرقد قرير العين تحت ظل وعناية حكومته.. وأن إجماع الرأي لدى الشعوب العربية هو دائماً للصالح العام.. وبنسبة لا تتغير أبداً.. اتفقت عليها أغلب الأنظمة العربية. الإجماع دائماً %99.99 ولا يمكن أن يوجد دليل أقوى وأمتن من ذلك عن سعادة الفرد العربي!! وهو إشارة واضحة إلى أن الاستقرار السياسي والاكتفاء الاقتصادي.. والأمن الجماعي كلها أمور لها أولوية الحضور في كل مجتمع عربي!! ونظراً لأن الفرد العربي هو أكثر العارفين بحقيقة تلك الأوهام.. فقد انصرف تماماً عن الاستماع إلى أجهزته الرسمية.. ولم يعد يصدق ما تنقله من أخبار إلا إذا تم التأكيد عليها من إذاعات وأجهزة أجنبية.
وبطبيعة الحال.. نحن في هذا الوطن نرتبط ارتباطاً جغرافياً وثقافياً بتلك الشعوب.. لذلك فالمعاناة من المغالطات التي تقترفها أجهزة الإعلام الرسمية بحق المواطن.. هي المعاناة نفسها.. ونصيب الفرد في هذا الوطن من أكاذيب الأجهزة الرسمية لا يختلف كثيراً عن نصيب أي فرد في المجتمع العربي.. فنحن جميعاً لا نتوقف عند خبر أوردته وكالات الأنباء الأجنبية.. بينما نقف طويلاً عند الأخبار الصادرة من وكالات الأنباء المحلية.. فنصدق ما تنفيه ونشك في ما تؤكده.. وقد يكون لنا كل الحق في ذلك.. فأجهزتنا الرسمية تعمل جاهدة على ترويج وتلفيق ما يلقي رواجاً واستحساناً لدى المسؤولين.. وتبذل كل ما بوسعها لتمويه وإخفاء حقائق ووقائع قد تثير الجدل وتتعدد الآراء بشأنها.. لذلك فنحن نستخدم أسماء عديدة لظاهرة الكذب في الأجهزة الرسمية فتارة هو طمأنة للشعب وخوف من إقلاقه.. وأخرى هو منع للمشاكل والفتن والبلبلة.. وثالثة هو مراعاة للصالح العام!! إلا أن كل ذلك لا ينفي حقيقة ولا يخفي واقع المراوغة والتمويه الذي تمارسه الأجهزة الرسمية بحق المواطن والنتيجة الطبيعية لذلك هي انعدام الثقة بين تلك الأجهزة والمواطن.. وهي بالطبع نتيجة مدمرة وخطيرة على المدى الطويل.. وعلى المدى القصير أيضاً.
قد نتساءل بالفعل عن الأسباب التي تجعلنا كشعوب مسلمة .. تتصدر مبادئ الصدق والأمانة والالتزام بالحقيقة قمة مبادئ الدعوة الإسلامية .. نتساءل لماذا نعمد إلى الالتواء والتقوس في طرح ونشر الأخبار عبر “أجهزة الحكومة الرسمية” هل يعود السبب إلى أن أغلب الأنظمة العربية لن تستطيع أن تصمد لولا ذلك الأسلوب الملتوي في اطلاع الشعوب على حقائق الأمور؟ أو أنه خشية أن يتضاءل تصفيق الشعوب لها.. وربما ينتهي.. إن هي خرجت كما هي دون بهرجة وتهليل أجهزتها الرسمية؟ أم أن السبب يكمن في أننا كشعوب وأنظمة فشلنا وعجزنا عن التقيد والالتزام بالقواعد العريضة والأساسية للأخلاقيات.. والتي هي أساس تقدم الدول التي تسبقنا بعشرات السنين؟
جميعنا.. تأخذنا الدهشة والإعجاب بالأمانة.. وحسن المعاملة والدقة في العمل في تلك المجتمعات.. والتي لولا التزامها بتلك الأخلاقيات والتي تنظم الحياة منذ بدء حضارة البشر.. لما نمت وتطورت كما هو الحال الآن.. ولولا إخفاقنا كشعوب في الالتزام بتلك الأخلاقيات في معاملاتنا.. سواء بيننا كأفراد يضمهم مجتمع واحد.. أو بين حكومات تربطها علاقات دبلوماسية.. ومصالح مشتركة.. لما كان هذا مصيرنا ونحن تحت أيدينا خيرات الدنيا.. ومنافعها.. وما ظواهر الفساد.. والارتشاء.. والتحايل على القوانين.. وتفشيها في مجتمعاتنا سوى دليل واضح على استهتارنا بتلك الأخلاقيات.
إن رقي وتطور وتقدم أي مجتمع.. لا تحققه المباني.. والطرق.. والمؤسسات.. ولا يعتبر بذخ أفراده.. وإسرافهم دليلاً على تطوره.. وإنما يأتي الرقي والتقدم كظاهرة ونتيجة طبيعية لنمو وانتشار أخلاقيات مرتبطة بقيم العمل.. والإنتاج، والعلم، والعطاء، والأمانة.. وذلك هو عين ما نفتقده في مجتمعاتنا.. والتي يبدو أنها لم تحسن الإصغاء إلى الحكمة التي أنشدها الشاعر أحمد شوقي حين قال:
“وإنـــــــما الأمـــــــم الأخـــــــلاق مـــــــا بقـــــــيـــــــت
فـــــــإن هـــــــم ذهـــــــبـــــــت أخـــــــلاقـــــــهم ذهـــــــبوا”
إن الأمر الذي يستدعي الدهشة والاهتمام.. إننا نتبع أكثر الأديان السماوية صلة بتلك الأخلاقيات.. وأقرب الأديان للمجتمع البشري.. وأكثر الأديان مناداة لتحسين العمل “وقل اعملوا”.. والابتعاد عن الكذب “وهو من الموبقات”.. والتغلب على الكسل “اللهم أني أعوذ بك من العجز والكسل”.. والترفع عن الغش “من غشنا فليس منا”.. إلا أننا أقل الآخذين بتلك الأخلاقيات الرفيعة وأقل المدركين لأهميتها في بناء وإرساء قواعد المجتمعات.. والتي لولاها لما قامت للدولة الإسلامية قائمة وشأن عبر التاريخ.. والتي لم نرث منها سوى الغطاء.. وكيفية دخول الحمام وحكم من تسافر دون محرم!!
إن الأخلاق بمفهومها الشامل وبتطبيقها العملي.. هي التي تحقق وتضمن استمرار التقدم لأي مجتمع كان، والأخلاقيات عموماً ليست بقضايا يومية وليست بأحداث على مسرح الأيام نتفاعل معها ونتفلسف بها كلما رأينا الحاجة لذلك.. وهي قضايا لا تخرج بنصف الحقيقة.. فأنت إما أن تكون كاذباً أو لا.. أما منتصف الطريق بين الحالتين فليس له وجود في المفهوم الحقيقي للأخلاقيات.. والتي عندما نلتزم بها التزاماً حقيقياً.. لن يحظى كاذب بتصفيق.. ولا منافق بهتاف ودعاء.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى