الأرشيف

حين يبتر الرقيب مقالاً ما…

[جريدة القبس 18/9/1991]

حين يبتر الرقيب مقالاً ما.. فهل يبتر معه الحقيقة أيضاً؟!..
سؤال لا يحتمل إجابتين معاً.. حيث أن الحقيقة البحتة غير القابلة للنقض.. تنزوي في درج الرقيب.. ولكنها أبداً لا تفقد شيئاً من كينونتها.. ويُصبح كل ما فعله الرقيب هنا هو الاعتداء على حق لمواطن يُعتبر من الحقوق الأساسية للإنسان.. له أولوية عليا في أي نظام بشري.. فتوفر الحق في نشر المعلومات يُعد من الحقوق المفروغ منها في أي مجتمع إنساني.. وهي حقوق تقرها وتكلفها كل دساتير الدنيا، بل وأنها غالباً ما تعلو على الدساتير نفسها.
إن الكويت وكغيرها من المجتمعات النامية.. لها نصيبها من المشاكل سواء كانت مشاكل اقتصادية، أو اجتماعية، أو سياسية وهو أمر لا عيب فيه مطلقاً.. فلا يعيب مجتمع ما أن تعترض مسيرته بعض العثرات والمشاكل.. فهي الإطار الذي ينضج فيه المجتمع.. ويسخّر فيه قدراته ليختبر مدى كفاءته في تلافي المزيد منها مستقبلاً.. ولكن العيب كل العيب يكمن في إنكار وجود تلك المشاكل.. مما يجعلها تتراكم.. ويزداد حجمها.. حتى يصبح التصدي لها مستقبلاً أكثر صعوبة.. إن حلّ أيّة مشكلة مهما صغر شأنها يكمن أساساً في الاعتراف بوجودها مبدئياً.. وعدم إغفال أي ركن منها قد يُشكّل عائقاً في استئصالها وإلى الأبد.
ومن هنا تبرز أهمية أسلوب الطرح المتبع، بغية التعرف على كل جوانب المشكلة.. وإعطائها المزيد من العلانية في محاولة لمحاصرة الرديء منها.
ولا يمكن أن يتم ذلك في إطار جهد فردي.. فالفرد عرضة للخطأ والصواب.. وكلما زاد عدد الأفراد المساهمين في الحل.. قلَّ احتمال الخطأ.
ودور الإعلام في طرح المشاكل كان دوماً وسيبقى أساسياً.. وبخاصة الصحافة.. لما للكلمة المقروءة من وقع وأثر بالغ في النفس.. فجميع قضايا المجتمع المصيرية.. سواء كانت قضايا راهنة.. أو قضايا تشمل في إطارها تحديات مستقبلية.. فإنها جميعاً تُصبح مادة خصبة لتحليل الصحافة.. ومجالاً مفتوحاً لكل ذي رأي.
فالصحافة كسُلطة لها من القوة والقدرة ما يمكنها من إثارة أكثر المشاكل والتحديات إلحاحاً.. بغية إلقاء المزيد من الضوء لينير كافة أركان المشكلة كي يتم حلها جذرياً.
والصحيفة.. كمجال مُتسع للرأي.. تبقى دائماً مرآة للمجتمع تعكس آراء أفراده.. وتجمع شمل الآراء كافة.. وتكفيهم عناء التشرذم في المجتمع على شكل منشورات جنت عليها الرقابة.
فالصحافة مقياس حضارة المجتمع وتقدمه.. ففي إطارها يبرز الأسلوب الذي يفكر به أفراد المجتمع.. ومستوى وعيهم.. وموقفهم تجاه قضايا تخص مجتمعهم.
ولقد ازداد يقين المجتمع الكويتي بدور الصحافة بعد ما ألم به ما ألم من معاناة كلفته الدم، والمال، والعرض، فازدادت معه حاجته للإلمام بكل تناقضات الحياة وتعقيداتها.. أملاً بأن يستشف منها ما يحول دونه ودون المزيد من المعاناة.. ولقد ترجم الإنسان الكويتي، وبإيحاء من ضميره، إحساسه هذا بمزيد من التفاعل نحو قضايا مجتمعه.. ومزيد من المساهمة في الصحافة، كأسلوب للمشاركة بالرأي، في محاولة جادة منه لإلقاء مزيد من الضوء وبشكل أفضل لما حدث لهذا المجتمع، ومناقشة ما هو حادث الآن، في محاولة لوضع إطار تصوري لما قد يحدث مستقبلاً.. وإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدل على ازدياد الإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع وقضاياه لدى الإنسان الكويتي.
ولا ينتقص من ذلك الإحساس الذي انتاب الفرد الكويتي مقص رقيب الصحيفة حين يمعن في تهذيب مقال ما.. فمن استل قلمه ليسجل نقداً أو رأياً.. إنما فعل ذلك بدافع من المسؤولية البحتة.. فالمقال ليس تعبيراً فردياً عن الذات، وإنما هو مشاركة ومساهمة في هم عام وشأن عام.. استمده من مبدأ ومنهاج إسلامي صريح نص على مبدأ المشاركة والمشاورة في الأمر. ولا يمكن أن يشك أو يرتاب أحد في مدى حاجة الصحافة لحرية تكفل التعبير الحر لكل قلم، إلا من تحول تلك الحرية بينه وبين منفعة شخصية بحتة.. أو من يحلو له أن يحلل ويفسر ما يطرح في الصحافة تفسيراً خاطئاً بأنه لا يتفق ومصلحة الوطن.. متذرعاً بأن “ما كل ما يعرف يقال”.. وبأن الخطأ غالباً ما يكون في إثارة المشكلة! وأن مهمة الصحافة تخفيف هموم وعناء الناس.. لا تذكيرهم بمشاكلهم!!
والمجتمع الكويتي، وهو يعيد ترتيب بيته من الداخل.. ويخطو من جديد نحو عهد قادم متوج بالديمقراطية.. في أمس الحاجة لاستخدام أكمل للصحافة، حتى يتسنى له الإلمام بكل ما يتعلق بامور مجتمعه.. وحيث توجد الديمقراطية.. توجد الصحافة الحرة.. درءاً للتناقضات. فحرية المجتمع التي تكفلها الديمقراطية تبني أولى لبناتها بكلمة حرة تكون فيها مصلحة الوطن فقط هي الهدف.. وتقتل أي تناقض يطرأ بين الواقع والسياسة المعلنة.. وتكبت كل رأي متسكع هادف وراء مصلحة شخصية بحتة.
الصحافة الحرّة هي أسلوب فعّال لإبراز تناقضات الآراء في المجتمع. بقصد إخضاعها للمصلحة العامة.. وحتى لا يُصبح الحسمُ في قضايا المجتمع المصيرية لطرف دون آخر.. وبمنأى عن صالح المجتمع ككل.. على أن يكون ذلك في إطار أسلوب متماش مع الحقائق كما تبرز دون أي رتوش تعمد إلى تشويه أو تجميل للحقيقة.
والمجتمع الكويتي، هو ذات المجتمع الذي أثبت إبان فترة المحنة مدى قدرته على إدارة شؤون الوطن.. وإخلاصه وتفانيه في الإبقاء على مصلحة الوطن. وأفراده هم ذاتهم الأفراد الذين عملوا في أسواقه التعاونية، وأزالوا قمامته، ورفضوا وقاوموا من اعتدى عليه.. هؤلاء حين ينتقدون وضعاً ما في مجتمعهم إنما يفعلون ذلك، واضعين نصب أعينهم مصلحة الوطن أولاً وآخراً. وهؤلاء عندما يمعن رقيب الصحافة، من باب الحفاظ على مصلحة الوطن، ببتر ما يساهمون به من آراء.. إنما ينصب نفسه بمرتبة تعلو إيثارهم وتفانيهم في حفظ الوطن، ليكون وحده دونهم أقدر على تقييم ما ينفع وما يؤذي الوطن.
قد يستطيع رقيب الصحيفة، متذرعاً بما لديه من صلاحية أن يكبل الأيدي حتى لا تدون الحقيقة، وقد يستطيع مقص رقيب الصحيفة أن يمعن في المقال حتى يبتر الحقيقة، ولكنه أبداً لا يستطيع أن يقيد العقل في بحثه وسعيه وراء الحقيقة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى