الأرشيف

الإعلام بين الدبلوماسية والافتراء

[جريدة القبس 29/12/1997]

لا شك أن الإعلام في زمننا الحاضر هو آلة خطرة وحساسة، وحمى السباق الإعلامي من حولنا تجعلنا ندرك يوماً بعد يوم أن الإعلام هو تماماً كالوقت إذا لم تقطعه قطعك. فالسرعة في الإعلام مطلوبة، والدقة مسألة رئيسية، كما أن للإعلام دبلوماسيته ولغته الخاصة. وتلك كلها أمور لا تزال في طور التشكل والبداية في إعلامنا هنا.
فعلى الرغم من أننا كنا ولا نزال ضحية أجهزة الإعلام في عالمنا العربي بوجه خاص، إلا أن ذلك لم يستطع أن يضيف جديداً يذكر على سياستنا واستراتيجيتنا الإعلامية، والتي لم تستثمر أياً من الحجج التي بحوزتنا، بل هي على العكس من ذلك تماماً، حيث لا تتوقف أجهزة إعلامنا أبداً عن استخدام الأسلوب ذاته في التذكير بالعدوان العراقي، ولا تزال اللغة الإعلامية كما هي منذ الثاني من أغسطس 1990. فعلى الرغم من مرور ما يقارب الثمانية أعوام على غزو النظام العراقي للوطن، حدث فيها ما حدث من مستجدات ومتغيرات. إلا أننا لا نزال نراوح في إعلام يوم الثاني من أغسطس.
لا يشك أحد في أن المرحلة الحالية تعد مرحلة حساسة وحرجة بالنسبة لنا في هذا الوطن، فاستمرار عزل العراق عن العالم العربي أصبح مسألة ترفضها الأغلبية على الصعيد العربي سواء كان ذلك على المستوى الشعبي أو الرسمي والذين استاؤوا من نهج وأسلوب تلفزيون “الجزيرة” القطرية، سيجدون أن ذلك هو اعتقاد الكثيرين.. وأن الغضب الذي نحسه ونشعر به في هذا الوطن تجاه النظام العراقي ليس بالضرورة أن يكون شعور الآخرين وإحساسهم!! وإلا نكون قد خدعنا أنفسنا وتجاهلنا كل ذلك الشعور!!
مُهمة الإعلام الآن، وفي هذه المرحلة، هي مُهمة رئيسية. وعلى الإعلام اليوم أن يتعامل مع معطيات هي ولا شك مختلفة جذرياً عن معطيات الثاني من أغسطس. لذا، فإن تصريح وزير الإعلام قبل مؤتمر مجلس التعاون الأخير، عن إصرار الكويت وتمسكها بضرورة إبقاء الحصار، وبأن عودة العلاقة مع نظام بغداد هي ضرب من الخيال والتصور!! هو بلا شك تصريح لم يأخذ بعين الاعتبار تطور الأحداث من حولنا. ولا يعني ذلك أن على وزير الإعلام الإشادة بالنظام العراقي وأعوانه بقدر ما يعني أن وزير الإعلام كان باستطاعته أن يبعث بالرسالة ذاتها دون حاجة لاستفزاز الآخرين!! فغرضنا الإعلامي في نهاية الأمر. هو إبراز قضيتنا. وليس الشجار مع الآخرين. ونحن بلا شك نملك من الأدوات ما يؤهلنا لطرح أفضل، وبموضوعية نتفوق من خلالها على أطروحات الآخرين السطحية. خاصة وأن بحوزتنا قرارات الأمم المتحدة وإجماعاً شبه دولي على رفض نظام بغداد الحاكم.
وبدلاً من الإصرار على إبقاء الحصار على العراق، والذي نعلنه دائماً وفي كل مناسبة، نستطيع أن نقول الشيء نفسه بقليل من الدبلوماسية فنؤكد على أننا ملتزمون باحترام قرارات الأمم المتحدة كوننا عضواً فيها. وبأن نحترم الإجماع الدولي لأننا جزء من المجتمع الدولي. وبأننا حضاريون لا نتخذ من الشجار والعنف في الطرح مدخلاً لإقناع الآخرين!!
إن الذين عبروا عن إعجابهم بأسلوب الطرح الذي تمارسه محطة “الجزيرة” الفضائية قد خلطوا بين الإعلام الدبلوماسي والإعلام المفتري وهو ما لا نريده لإعلامنا في هذا الوطن. فالحديث عن ضرورة تطوير الإعلام، لا يعني الافتراء، وإنما الحديث الموضوعي الذكي.. فمهما بلغت سطوة ونفوذ الإعلام المفتري، ومهما بلغ من نجاح، فإنه يبقى نجاحاً مرحلياً قصيراً، ولنا في ذلك أمثلة وشواهد عديدة.
إن الإعلام الناجح هو الذي يعرف كيف يُبرز قضاياه ومشاكله بدلاً من أن يهدر جهده ووقته في تسليط الضوء على أخطاء الآخرين وسلبياتهم.. الإعلام الناجح هو الذي يكسب تأييد الآخرين ومساندتهم بدبلوماسية وموضوعية دون افتراء وتمويه، أو تزييف!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى