غير مصنف

العمارة.. في وطن فقد عقله!!

[جريدة القبس 9/2/1998]

في ندوة عقدت في ديسمبر الماضي، في دار الآثار الإسلامية حول موضوع العمارة، تحدث المعماري فريد أمين عبدال حول القضية الرئيسية التي تعاني منها العمارة بشكل خاص، والتي تتعلق بذلك الخطأ الذي قد لا يكون مقصوداً لدى شرائح كثيرة، بقدر ما هو جهل وسوء فهم ونقص في المعلومة الوافرة، وهو الخطأ في تعريف العمارة بشكل عام، بالإضافة إلى ذلك اللبس والخلط بين العمارة من جهة، والهندسة من جهة أخرى!!
المعماري فريد يرى أن العمارة نشاط خلاق يوفق ويولف المفاهيم والمعاني داخل وخارج الذات الإنسانية.. وهو يستعير بذلك تعريفاً دقيقاً لمعماري سويسري المولد، فرنسي الجنسية “لوكور بوزييه” حيث يقول “إن شأن العمارة هو أن تؤسس علاقات تأليفية بوسيلة المواد الخام، فالعمارة تذهب إلى أبعد من الحاجات الوظائفية، العمارة شيء مرن لها روح النظام والوحدة في القصد، العمارة حس في العلاقات وتعامل مع الكميات، فالشوق يمكن له أن يبعث الملحمة من الحجر الجامد”.
يرى المعماري “فريد عبدال” أن الإنسان يبني أصلاً لأن عقله يميل دوماً إلى إسباغ معنى للوجود والكون والبيئة، فالعقل البشري يميل دائماً إلى “أنسنة” ما حوله من خلال فرض نظام عقلي على ما يحيط به.
العمارة إذاً، وحسب تعريف المعماري السويسري، والمعماري الكويتي، هي أداء عقلي وشبه غريزي يرمي من ورائه الإنسان إلى استمرار وبقاء أبديين يقهر بهما الموت والفناء، ولعلنا ندرك ذلك من خلال التمعن في عمارة الفراعنة وقبائل الأنكا في أمريكا الجنوبية، وفي عمارة البابليين، والفرس، وغيرهم من حضارات لم تمت ولم تفن أبداً، لأن العمارة لا تفنى ولا تموت مع الزمن.
وإذا كانت العمارة، وفق تعريف المعماريين، هي أداء عقلي غريزي فإننا في هذا الوطن قد أثبتنا أننا بلا عقل!! حيث لا تكف آلة (المدينة المعتوهة)، والامتداد العمراني الجشع، عن تدمير وتشويه إرثنا البسيط والمتواضع من ملامح عمرانية كانت عنواناً لهويتنا. ورمزاً لنشاطنا وشؤوننا خاصة في مرحلة ما قبل النفط.
فامتد العمران الأهوج بقلاعه الأسمنتية ليعزلنا تماماً عن هويتنا البيئية، بحيث لم يعد البحر وشطآنه الرملية جزءاً منا ومن بيئتنا التي تعكس ظروف نشأتنا وتكويننا الأساسي ومصدر معاشنا ورزقنا!! وأصبح العابر بالبحر بالكاد يتبين زرقه، أو يتنفس عبقه، ورائحة أسماكه المميزة.
حتى أصبحنا نناقض طبيعة العقل البشري الذي يميل غريزياً إلى (أنسنة) ما حوله، فأصبح جل همنا نزع (الأنسنة)، والصفات البشرية حتى عن أعذب وأرق الصور والسمات البيئية من حولنا، وكما حدث في حال البحر وشواطئه ورماله.
المعماري فريد عبدال يرى في أن (أنسنة) الإنسان للبيئة هو موقف لا يختلف فيه الإنسان البدائي عن الإنسان العصري سوى في الدرجة، فالعقل البشري ينظم قبل أن يشرع في البناء، أو كما هو متعارف عليه في المجتمعات الحديثة، من حاجة للتخطيط قبل الشروع في البناء، وذلك بلا شك جانب آخر من جوانب عقلنا الذي فقدناه.
فعلى الرغم من أننا دائماً كنا نتباهى ونفخر في هذا الوطن، بكوننا الدولة الوحيدة في محيطنا التي وضعت تخطيطاً مدروساً للبناء وللعمران بما يتفق ونزعة العقل الغريزية للتنظيم قبل الشروع في البناء، إلا أننا، وعلى ما يبدو في حمى التمدد العمراني (الحديث)، قد تجاهلنا ذلك، ولعل جولة سريعة في شارع الاستقلال توضح لنا ذلك الجنوح العقلي، حيث تحول الشارع إلى مسخ عمراني. تتسلق المطاعم فيه قمة المباني والمساكن الرثة والمشوهة.
في خاتمته، يرى المعماري فريد عبدال أن العمارة بناء، ولكن ليس كل بناء عمارة، فالبناء هيكل ذو ثلاثة أبعاد فضائية، لكن العمارة هي بناء فن وعلم مركب ومتعدد المعاني والأبعاد بحجم يعكس تعدد وعمق الحضارة ذاتها، وأن محاولة ترويج تيار فكري وحركة بناء مع إنكار للعمارة فيها فذلك يعني تأييد الأبعاد المادية الثلاثة. وتدميراً لجميع الأبعاد الأخرى الإنسانية والثقافية والحضارية.
لا شك أن للعمارة – وبعكس البناء – حقاً للآخرين فيه نصيب كبير، فهي تراث وإرث يتحمل الجميع مسؤولية الحفاظ عليه وليس بالضرورة أن يكون هرماً أو صرحاً كبيراً ومعقداً في بنائه وتصميمه، لكي أحفظه وأحافظ عليه.. فأي رمز للعمارة، هو رمز وانعكاس لعقل وهوية مجتمع بأكمله.. فهل ثمة من يعيد لنا في هذا الوطن عقلنا الذي فقدناه. أو العمارة والهوية لوطن فقد عقله وأضاع هويته!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى