
ضمن فعاليات سلسلة من المحاضرات العلمية والندوات الفكرية، حضرها جمهور غفير من المواطنين. تحدث الدكتور “عجيل النشمي” عن وجوب تخليص المسلمين من الاستكانة والذل، حاثاً على تحرير المسجد الأقصى بجهود إسلامية. حيث يرى الدكتور “النشمي” أن القدس ليست قضية فلسطينية ولا عربية بل قضية إسلامية صرفة.
لا جدال حول صحة حديث الدكتور “النشمي”، ولا اعتراض على أسلمة قضية القدس، أو على وجوب تخليصها من براثن الرجس اليهودي الصهيوني، غير أن أسلمة القضية هنا تفترض أولاً أن هنالك جهة أو هيئة إسلامية ثابتة. كما تشترط جبهة إسلامية صلبة ومتماسكة تتبنى الإعداد والعمل في سبيل إعادة القدس للإسلام وللمسلمين.
وذلك لا شك هو جل ما نفتقده اليوم في عالمنا الإسلامي.
لقد أصحبت الحاجة إلى إعلان تلك الجبهة أو القاعدة الإسلامية، حاجة ملحة في السنوات الأخيرة، ليس من أجل تحرير وإعادة القدس وحسب. بل من أجل حفظ الدين والعقيدة، والإبقاء عليهما دستوراً للحياة، ونبراساً للإيمان وللجانب الروحاني والعقائدي من الحياة.
ففي مشهد اتخذت تفاصيله من ميدان “الطرف الأغر” في العاصمة البريطانية مسرحاً لها، اصطف عدد من الرجال يرتدون الطرابيش الحمراء، على منصة “قضاء” معلنين مشروعهم الرامي إلى محاكمة المضطهدين من حكام العالم، وقد امتدت من ورائهم صور ضخمة لبعض الحكام من دول مختلفة، كذلك فقد امتدت ساحة الحمام الشهيرة بالمئات ممن يحملون أعلاماً سوداء وحمراء منقوشاً عليها اسم الجلالة. أما في خلفية هذا المشهد فقد وقفت فتيات صغيرات يرتدين الحجاب الإسلامي، أمام موائد صغيرة يصطف فوقها البخور الهندي الرديء، والأواني الشرقية المختلفة والمبهمة الصنع والهوية.
وعلى الرغم من الشعار السياسي الذي رفعه ذلك التجمع، إلا أن ذلك لم ينجح في إخفاء طابعه وشعاره الديني البحت.
بكل اختصار كان تجمعاً بلا هوية، فلا الشعارات كانت إسلامية، ولا الحديث إسلامي، ولا الطابع التراثي إسلامي. ومع ذلك فقد كان التجمع ورواده يحملون الإسلام شعاراً، ويتحدثون بجهل عن الإسلام لا يخفى على من شاهدهم أو تابع حديثهم. إن تجمعات كهذه، قد أصبحت كثيرة، تتطلب منا كأمة إسلامية موقفاً صلباً للدفاع عن الدين، وللذود عن الهوية الإسلامية، فلقد كان في تجمع “الطرف الأغر” هذا جهل كبير وانحراف مؤسف عن الدين وهويته.
إن الدين كان وسيبقى دائماً أساساً في أي مشروع للنهضة، أو للتقدم وللتغيير نحو الأفضل. وبالذات الدين الإسلامي لكونه من أكثر الأديان السماوية تغلغلاً وتجذراً في الحياة البشرية سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية.
ومن هنا فقد كانت الحاجة ملحة دائماً إلى هوية إسلامية موحدة، ولغة إسلامية واحدة في سبيل استكمال أي مشروع نهضوي حقيقي. فلقد كانت الهوية الإسلامية الموحدة مدخلاً لانتصارات إسلامية عبر التاريخ، بحيث استطاع “صلاح الدين” من خلالها أن يقهر الصليبيين وأن يعيد القدس إسلامية، ولعل جزءاً كبيراً من انكسارنا وتدهورنا كأمة إسلامية يكمن في أن لغة القرآن أصبحت ألف لغة. وعقيدة الإسلام تقاسمتها وجزأتها أيديولوجيات نفعية دنيوية وسياسية، بحيث لم يعد هنالك مقر إسلامي محدد. يصدر عنه قرار تحرير القدس، أو أي قرار آخر. بل وحتى الأزهر الشريف الذي كان مصدراً ومرجعاً للقرار الإسلامي، أصبح هو الآخر محاصراً بطموحات وانتماءات سياسية بحتة. وهو أمر لم تنج منه كذلك مرجعيات الشيعة في “قم” وفي “النجف” بما تشهده من صراعات وتحالفات سياسية عديدة.
إن إعادة الهوية الإسلامية، والحفاظ عليها لا شك مسألة في غاية الحساسية والأهمية خاصة بعد أن أصاب الإسلام ما أصابه من تعديات عقائدية وفكرية، ومن تطفل سياسي، جعل الإسلام مرادفاً للإرهاب والقتل، والتخلف، وتلك مهمة تتطلب تنسيقاً وتعاوناً مشتركاً وعملاً يكون هدفه حفظ الدين، والهوية، خالياً من أي طموح سياسي دنيوي، ومنزهاً عن أي أيديولوجية مرحلية عابرة!! عندها فقط يستطيع الدكتور “النشمي” وشيوخنا الأفاضل أن يردعوا أولئك الذين اعتدوا على مقدسات الإسلام وديار المسلمين!!
