غير مصنف

سور الوفاء فلنعتبره نشيداً وطنياً

[جريدة القبس 2/2/1993]

إن أي متتبع لجهود أعضاء اللجنة الوطنية لجمع التبرعات لتأسيس السور الرابع.. سيخذل ضميره إن لم يقل بحقهم كلمة عدل. فحقيقة لا تقبل الشك أن الأسوار في قمة تكنولوجيا الحروب لن تكون أداة ردع.. كما وإن الخنادق والسواتر لن تردع مهددي الأمن عن أن يبلغوا مآربهم.. ولن تحول دون ولادة طابور خامس يستهدف النيل من مكاسب الوطن والمواطن، فالطابور الخامس.. والأمن المهدد.. ظواهر تلد من رحم الظل والاستبداد.. وهي ربيبة الأنظمة التي يسيطر عليها الظلم فتخلط بين أمن المواطن وحقه.
لقد أطل علينا زمن التحرير والوطن تملاؤه يقظة شعبية عارمة تجسدت بالتفاف المواطن حول البرامج الحريصة على المصالح الأساسية للشعب والوطن، البرامج الوطنية النابعة من حس وطني صادق برد جزء من العرفان لوطن أعطى كثيراً وطويلاً جداً، ولا نحيد عن الصواب إذا ما اعتبرنا الجهد الرامي إلى إرساء قواعد السور الرابع واحداً من تلك البرامج المعبرة عن ذلك الحس الوطني، ولعلّ أكثر ما يميز السور الرابع.. أنه جهد الإنسان الكويتي الذي اعتركته شهور الظلم والاحتلال المريرة.. وأيقظت في حسه شعور المبادرة بالعمل والتحرك..
إن الذين يعتبون على بناة السور استنزافهم لأموال الوطن.. في مشاريع هي أقرب للوهم والخيال منها إلى الحقيقة والفعالية.. يتناسون أن النزف الحقيقي للمال العام هو ما تقوم به عناصر الظلام المستترة وراء إدعاءات التعبير عن الحب والوفاء للوطن.. فهي دعوة يطالنا نتاجها جميعاً.. والسور الرابع أياً كان شكله أو أسلوبه.. لن يحيط بدعاة السور فقط.. كما هو الحال في مناقصات الإعمار.. كما ولن يذود عن الداعين لإقامته فحسب.. بل ستحيط بنا جميعاً أرجاؤه إن كان بناء، وسنلتف جميعاً بدفء مغزاه وغايته، وسيأتي يوم يفخر فيه الطفل الصغير الذي ساهم بمصروف يوم.. قبل الراشد الذي اقتطع من دخله.. ليكون للجميع الحق في أن يقولوا رأيهم في حاجة هذا الوطن للأمن.
لم ترهب غزاة الشمال بنادقنا.. ولا عتادنا.. ولكن الذي أيقظ العالم بأكمله.. إرادة الحق والترابط التي اكتنفتنا جميعاً إبان الغزو الآثم.. والتي وإن لم تعمل على طرد الغزاة.. إلا أنها كانت تعبيرنا عن رفضنا للاحتلال، كما ولم يسجل العالم للوطن نصراً عسكرياً.. ولا تفوقاً حربياً.. ولكننا أصبحنا مثالاً للوحدة الوطنية وللإرادة الحرة.. وللعمل الوطني الجماعي متمثلاً بالعصيان المدني الذي لم يخرقه إنسان كويتي واحد.. ذلك كان سر صمودنا كوطن.. وتلك كانت محاولتنا لرفض المهانة والاستكانة والاستسلام، تماماً كما سيكون السور الرابع تأكيداً بأننا جميعاً نوقع على إعادة البناء والتعمير.. ومناقصات الإعمار.. التي لم تعمر سوى جيوبهم وحساباتهم السرية.. أما الدعوة للمساهمة في وثيقة حدودنا الشرعية فقد غابت.
وعلى الرغم من سقوط الإدارة السياسية والعسكرية في زمن الاحتلال.. إلا أن الإنسان الكويتي لم يسقط.. ولم يتصدع.. ذلك كان شأنه في زمن الاحتلال.. وقد جاء الوقت الآن وفي زمن السلم أن يثبت أن الكويت غنية برجالها وبتجاربها وفكرها البناء، ليثبت أن الشعب المتضرر الأول من جراء الغزو.. يملك الإرادة الحرة لرفض الواقع المرير.. ويمتلك القدرة على التعبير عن ذلك الرفض، فالسور الرابع.. وهيكله التنظيمي، يشتملان على دعوة لكل مواطن بألا يقف موقف المستقبل والمتلقي لكل ما يرسله ويأتي به الآخرون.. وأنه مهما بلغ صغر حجم مساهمته.. فإنها تبقى إصراراً على أن يكون له دور في صياغة أمنه.
لعل أبلغ الدروس التي قدمتها تجربة الغزو الآثم.. أن إرادة الشعوب أقوى وأكثر صموداً من أعتى الجيوش وأكثرها تنظيماً.. فجاء صمود أبناء الوطن وتمسكهم بأرضهم.. أشرس وأمضى سلاحاً من كل ذخائر الوطن التي قبعت في المخازن عاجزة عن الحركة.. وسيجد سور الوطن الرابع تصميم أبنائه في التأكيد على حدوده ورفض كل محاولات التدخل في شؤونه.. والمساس بحريته واستقلاله.
إن السور الرابع لا يعني انغلاقاً عن دول الجوار.. ولا هو برفض للقومية العربية ولا للانتماء العربي.. وكما يحاول البعض أن يصوره.. فدول الجوار لها في وجداننا بعدها التاريخي والعاطفي.. وإلا لكانت أسوار الوطن الثلاثة حاجزاً وسداً مانعاً في وجه المد القومي الذي يفخر الوطن على صغر حجمه بأنه أروع من جسد ذلك الإحساس بالانتماء العربي.. ومؤكداً أن القومية انتماء قبل أن تكون فرضاً.. فمن أبرز صفات القومية العربية التحرر الكامل من الاستعمار والتبعية.. وإن مبدأ القوة والفرض التي اتبعها النظام العراقي في تجسيد مبدأ القومية والانتماء لهو أضعف الوسائل وأكثرها فشلاً في ترجمة مفهوم القومية، وهو المبدأ الذي رفضه أبناء هذا الوطن بامتناعهم عن الانصياع لمنطق القوة.. وهو الذي يصر المواطن على رفضه من خلال مساهمته بإقامة السور الرابع.
إن نضال الشعوب من قبلنا لم يكن في غالبه نضالاً مسلحاً مدرعاً.. فلقد لعب ويلعب العامل النفسي دوماً دوره الأساسي في مراحل النضال المختلفة.وقد تعمل قصيدة وطنية وشعر على إشعال حماس يعجز عنه طلق المدافع.
كما وأن إغلاق الأبواب وأحكام النوافذ لا يعنيان بالضرورة منع اللصوص من اقتحام المنزل.. لكن إغلاقها يجعل قاطنها يستشعر أمناً.. ويخلد للنوم الهادئ. فإذا لم نستطع أن نتبين للسور الرابع هدفاً جدياً، ونفعاً حقيقياً في تحقيق الأمن.. فلنعتبره نشيداً وطنياً ينشده المخلصون في حب الوطن.. ويردده المساهمون فيه كتعبير منهم عن رفض شعب ذات يوم لكل أشكال القنوط والاستسلام.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى