غير مصنف

لكي تتضح الرؤية

[جريدة القبس 19/9/1994]

الآن.. وبعد أن تجاوزنا العام الرابع منذ تفجر مأساة اختراق أمن الوطن.. وغزوه وتشريد مواطنيه، يتعين علينا أن نقف وقفة مصارحة تجاه حقيقة ما حدث!! لا نريد أن نتحدث ولا أن نخوض في مبررات وشرعية المصالح التي تتوج علاقات الدول والشعوب في ما بينها.. ولا أن نثير انعكاسات استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على ما ألم بالمنطقة من أحداث!! ولا أن نذكر بحيوية منطقة الخليج العربي للغرب ومصالحه ولا بأهمية توفر الطاقة وانسيابها دون معوقات واضطرابات كالتي شهدتها المنطقة!! فتلك أمور أصبحت بديهية وصريحة وواضحة!! غير أننا الآن بحاجة ماسة، ولا شك إلى التعامل بحكمة على تلك الحقائق.. والتحرك برؤية وفق معطياتها وحدودها!!
باختصار.. نحن بحاجة إلى فهم متأن.. وتعامل جدي خاصة مع تداعيات القلاقل والأزمات في هذه المنطقة مع ما أصبح يثار مؤخراً من آراء حول رفع العقوبات عن العراق.. وإعادته إلى البنية والحظيرة العالمية!! ليس على المستوى الشعبي وحسب.. وإنما على المستوى الرسمي بالتحديد.. والذي أصبح عليه التعامل مع المحاولات الرامية لإعادة العراق.. بمهارة أكثر.. وبمهنية بعيدة عن النزعة العاطفية.. والتي غالباً ما سيطرت على الموقف الرسمي في مطالباته بتجديد الحظر على العراق!!
لقد استطاعت أربعة أعوام مضت منذ تفجر أزمة الخليج وحربه.. أن تزيل ولا شك الكثير من التراكمات الترابية.. التي أعطت لقضية احتلال الوطن.. تلك الصورة الضيقة المحصورة.. بالأطماع العراقية في هذا الوطن.. أو بالنزعة الإجرامية التوسعية لطاغية بغداد والتي رفضها المجتمع الدولي.. فاستنفر جيوشه بسببها لإعادة الحق إلى أصحابه.. ولترسيخ الحقوق البشرية!! وتلك صورة ولا شك ظلت مسيطرة ومنطقية على الأقل من جانب الطرف الأضعف في المعادلة.. إلى أن ناقضتها أساليب المجتمع الدولي ذاته.. تجاه قضايا وأزمات مشابهة.. لعلّ أبشعها.. ما حدث ويحدث في يوغسلافيا السابقة.. ورواندا!!
وضوح الرؤية هذا وبعد مضي الأعوام الأربعة بفرض علينا ولا شك تفاعلاً أنضج.. وتعاملاً أكثر واقعية.. ونحن نخطو باتجاه الصورة.. التي ستتشكل على أساسها تضاريس المنطقة سياسياً واقتصادياً..
ولا نعني بوضوح الرؤية هنا.. تراجعاً.. أو جبناً أو تنازلاً.. وإنما محاولة لفهم أعمق.. وأبعد أفقاً.. لما يحيط بنا من مستجدات.. ومتغيرات.. وحتى يتفق حجم خطواتنا وتحركاتنا مع ما نملك من ثقل وحجم في هذه المنطقة الساخنة!!
الرؤية الأوضح ستمكننا من استيعاب دورنا في ما حدث في الثاني من أغسطس 1990 خاصة بعد أن أدركنا الآن.. وبشكل لا يقبل الشك أننا كنا جزءاً من الخلل.. لا الخلل كله!! فالذي أقلق العالم من حولنا وأربكه.. كان خلل توازنات القوى المسيطرة في المنطقة.. والذي كان ولا شك سيتأرجح لصالح طاغية بغداد.. في حال ازدياد نفوذه الاقتصادي.. من جراء سيطرته على موارد النفط في الوطن!!
وقد يتساءل البعض هنا.. عن جدوى محاولات الفهم تلك.. إذا كنا أساساً لا نملك الوسيلة ولا القدرة على التعامل معها!! وهو تساؤل على الرغم من سذاجته.. إلا أنه وللأسف يحوي الكثير من الحقيقة المؤسفة.. فعلى الرغم من سلسلة الكوارث التي ألمت بالمنطقة.. وعلى الرغم من معاول التدمير المستمرة لثرواتها ومقدراتها.. وعلى الرغم من تداخل المسببات بالنتائج في تلك الكوارث إلا أن الخلل في الفهم والاستيعاب ومنطق العلاقة بين ما حدث ويحدث كان الأكثر خطراً.. فعامل الفصل كان مسيطراً، ومع ذلك فما زلنا بعيدين كل البعد عن رؤية شاملة للمنطقة بأحداثها وشخوصها!! بل لقد بقيت النظرة الآنية القصيرة الأفق معنا في تعاملنا مع الجهود الرامية إلى رفع العقوبات عن العراق والتي أصبحت ناشطة في الآونة الأخيرة!! وبحيث جاء تصورنا للصورة التي سيتم بها حسم الوضع المتأزم في المنطقة.. لتقتصر على اعتراف العراق بحدود الوطن الشرعية.. وبإطلاق سراح أسرانا.. وكأنما نحن بذلك نصر على أن استقرار المنطقة بأسرها.. مرهون بالاعتراف العراقي بالحدود الكويتية!!
قد لا ينكر أحد منا في هذا الوطن على وجه الخصوص.. أهمية ذلك.. وعلاقته بعوامل الاستقرار المستقبلية!! غير أنه لا يمكن أن يكون غايتنا في ما ننشد من شروط للاستقرار.. والهدوء.. فما زالت بيننا وبين الاستقرار الحقيقي هوة ساحقة تمتلئ بالسخط.. والجوع.. والهزيمة.. ومجتمع يئن بالخلافات العرقية والطائفية والسياسية!! فإذا كنا قد أخطأنا في بداية الكارثة.. بأن جردنا الخلاف من صورته الشاملة.. بأن جعلناه قصراً على خلافات حدودية بين العراق والكويت.. فإن الوقت قد حان الآن.. لموقف عربي وليس خليجياً وحسب.. لفرض حل شامل يؤمن الاستقرار للعراق أولاً قبل أن يشمل ويطال الجميع!! خاصة وأن خسائر الغزو.. وما أعقبه قد شملت آثارها الجميع.. ولم تكن قصراً على الكويت!! وهو أمر لا يمكن أن يحدث.. ودون برنامج عمل يتسم بالعقلانية.. وبالبعد التاريخي والحضاري.. وبالكثير الكثير من الإنسانية.. لكي تتضح الرؤية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى