غير مصنف

من يعالج الانفصام بداخلنا؟

[جريدة الطليعة 6/12/1995]

حسناً فعل الدكتور أحمد الخطيب بإثارته مظاهر التعصب الفئوي في هذا الوطن.. أياً كان مظهره!! فقد آن الأوان لأن ندخل في عالم الحداثة.. وأن نبدأ في بناء المجتمع الحديث.. لنتخلص من ظاهرة انفصام الهوية الحاد.. الذي عرقل مسيرتنا النهضوية بما فيه الكفاية!! تبدو حالة الانفصام التي نعيشها واضحة وجلية إذا ما نحن استعرضنا ما نؤمن به من أسس لبناء مجتمع حضاري حديث.. وبين ما هو راسخ في أعماقنا وتكويننا المجتمعي.. فنحن نؤمن بديمقراطية البرلمان فقط!! وندين بحرية الأقليات والنخب لا حرية الفرد بغض النظر عن جنسه وجذوره!! ونحن ننادي بحقوق الفرد والبشرية.. ونناقضها في تعاملاتنا اليومية!! نحن نطالب بقيام دولة مؤسسات وقانون.. بينما نتمرد ونرفض القوانين حين تطولنا!!
لم يرم الدكتور الخطيب في حديثه إلى التقليل من شأن القبائل.. ولا إلى السخرية بعاداتها!! وإنما أشار إلى مخاطر وتبعات اعتبار الانتماء القبلي أساساً للانتماء الوطني بشكل عام!! وتلك قضية لا يختلف على سلبياتها بدو أو حضر!! وإن كان الأوان قد آن لأن يصبح ذلك فعلاً لا قولاً وحسب!!
لقد جرى استغلال بشع للقبلية والانتماء القبلي كمرتبة اجتماعية.. وللعشيرة والانتماء العشائري كأداة تنظيمية يجري على أساسها توزيع المال والثروة والجاه والسلطة والمنافع العامة ضمن القبيلة ذاتها!! جرى استغلالهما في مراحل كثيرة من تاريخ الوطن الحديث.. سواء من جانب الحكومة.. وذلك من خلال محاولات استقطاب فئات معينة من الشعب.. خاصة في أعقاب البدء بالبرنامج الديمقراطي مع منتصف الثلاثينيات!! أو من خلال بعض الحركات السياسية فيما بعد.. كالتوجه الديني القائم الآن!!
فإذا كان هناك من عبث بأسس.. ومبادئ التنظيم القبلي.. مستغلاً أعرافه وقوانينه ورؤاه المجتمعية لأغراض سياسية واقتصادية بحتة.. فهو الحكومة أولاً.. ثم الحركات الدينية فيما بعد!! ليأتي الدكتور الخطيب الآن محذراً من ذلك الاستغلال.. لا منادياً إلى فك تلك الترابطات القبلية!! وكما يحاول أن يدعي ويثير البعض.. لتحقيق مكاسب سياسية رخيصة!!
مداخلة الدكتور الخطيب الأخيرة.. تتضمن دعوة للخروج بهذا الوطن!! من الشكل البدائي والأولي لتكوين المجتمع.. خاصة السياسي منه!! وإعداد العدة للدخول في البناء المجتمعي الحديث!! وتلك رحلة حتمية للمجتمعات البشرية كافة.. سبقتنا إليها.. مجتمعات حديثة طالما تطلعنا إلى الأخذ بنظمها وقوانينها المتكاملة.. والتي كفلت للفرد فيها مكانة اجتماعية وسياسية عادلة لا يشوبها لقب.. ولا عنوان قبلي!!
رحلة بدأها العالم الأول من حولنا.. منذ القرن التاسع عشر.. وبعد أن صقلته الثورة الصناعية.. لتتبدل معها أسس التكوين السياسي والاجتماعي لتلك المجتمعات.. من عصبيات قبلية ودينية.. واثنية!! إلى مؤسسات وقوانين ودساتير!! من دول يقتصر الحكم… فيها.. والإدارة والحظوة على بعض العصبيات!! إلى دولة تشريعية.. تحكم وتُحاكم وفق أسس وقوانين مرعية الإجراء في دساتيرها!!
هنالك تطور طبيعي.. ومنطقي في آن واحد لنمو ونشأة المجتمعات!! لا يستطيع أفراد أياً كان نفوذهم أو أغراضهم أن يقفوا في طريقه!! هو تطور طبيعي.. لأنه يشبه في تسلسله وحتميته التطور الجنيني البشري!! وهو منطقي.. لأن التاريخ يحدثنا وبالتفصيل عن تهاوي كل العناصر التي تعيق تلك الطبيعة (البيولوجية) المجتمعية!!
هو تحول وتحرك مجتمعي.. منطقي وطبيعي.. لأن الجمود هو صفة الجماد!! بينما المجتمع (كائن) حي.. تدفع به إلى الأمام أو إلى الوراء.. أدنى نسمات التغيير!! ونحن الآن.. في هذا الوطن تهب علينا عاصفة من التغيرات إذا ما نحن أصررنا على الوقوف.. نكون قد نفينا عن أنفسنا صفة الحياة.. وأجبرتنا الطبيعة على الموت والفناء!! لقد أصغت أوروبا من قبلنا لذلك المنطق.. فحل التشريع القانوني محل النفوذ الشخصي أو العائلي أو العشائري.. وانهارت مقومات النظام الإقطاعي أمام المستجدات والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثها الانقلاب الصناعي!! فكان أن جنت أوروبا من وراء ذلك مجتمعات حديثة صحيحة قوامها الفرد لا القبيلة!!
دعوة الدكتور الخطيب إذن.. هي دعوة للنضوج المجتمعي والسياسي!! وهي دعوة لإنهاء حالة الانفصام التي تعتري كيان الوطن السياسي والمجتمعي!! هي ليست استهزاء بكيان القبيلة.. وإنما نداء لحفظ ذلك الكيان من دعاة السياسة الرخيصة!! وأخيراً.. هي مبادرة من الدكتور لعلاج حالة الانفصام التي تعترينا في هذا الوطن!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى