غير مصنف

وطنية البعض

[جريدة الطليعة 7/2/1996]

على الرغم من أن الدستور ينص على أن لكل مواطن الحق في الترشيح والانتخاب متى توافرت فيه الشروط القانونية لهذه المساهمة الوطنية!! غير أن الواقع يقول إن هنالك “شروطاً” مجتمعية اقتصادية “وضعية”… لمن يرغب في خوض المجال الانتخابي والبرلماني!! تماماً كانتخابات الرئاسة الأمريكية.. حيث يحق لأي مواطن أمريكي أن يرشح لرئاسة الولايات المتحدة.. وفقاً للقانون المكتوب!! غير أن “القانون” الحقيقي يقول إن الرئاسة للمميزين اقتصادياً أو بمعنى أدق للأثرياء فقط من الشعب الأمريكي!!
الوطنية التي دافعت عنها جريدة “الوطن” بحماس منقطع النظير في افتتاحيتها التي احتلت واجهة عددها الصادر بتاريخ 30 يناير.. تتطلب منا جميعاً وقفة جادة وصارمة أمام مفهوم الوطنية السامي بوجه عام!! فالجريدة ترى أن في هجومها على رئيس المجلس “أحمد السعدون” واجباً وطنياً علينا جميعاً وكمواطنين أن نساهم فيه.. حيث أنه – أي السعدون – “يبحث عن شيء من الإثارة السياسية داخل المجلس تساهم في خلق أي قدر من الالتفاف الشعبي حوله” ومن هنا جاء طرحه لموضوع استجواب وزير الداخلية تحت مظلة تضامن القوى السياسية الممثلة في المجلس!! ومن مدخل “الوطنية” نفسه علقت جريدة “الوطن” أن مصدر قلق “السعدون” يعود إلى الاحتمالات التي أصبحت شبه مؤكدة على أن “جاسم الخرافي” هو الرئيس المحتمل والمتوقع!! واختتمت الجريدة حديثها “الوطني” داعية إلى النأي بالرأي العام عن تلك التوترات السياسية المفتعلة.. حيث إن الوطنية ليست بضاعة محتكرة للبعض وفقاً لرأي الجريدة!! قد يكون لجريدة الوطن مطلق الحرية في الترويج لمن تراه أهلاً لخوض معركة الانتخابات المقبلة.. أو لمن تستشعر فيه مقدرة على رئاسة المجلس القادم.. أو عضويته!! لكنه بكل تأكيد ليس من حقها أن تضيق نطاق الوطنية ومجالها ليصبح قصراً على أولئك القادرين على خوض الانتخابات.. والتنافس على رئاسة المجلس!! والتي ستبقى محصورة في القادرين مادياً.. واجتماعياً.. شئنا ذلك.. واعترفنا به.. أم لم نشأ.. وأنكرناه!! فلقد حاول من قبل صناع الديمقراطية في التاريخ من إغريق ورومان أن يتجاوزوا ذلك القصور في الديمقراطية.. وذلك بأن جعلوها مجالاً مفتوحاً يساهم المواطن فيه مساهمة مباشرة في إدارة وتشريع القوانين في الدولة.. وفيما عدا العبيد والنساء.. كان كل فرد عضواً في البرلمان.. غير أن طبيعة التقسيم الطبقي للمجتمع.. جعل للأغنياء والنبلاء فرصة أكبر من الحرفيين والمزارعين.. والذين كانت ظروف عملهم القاسية تتطلب منهم تواجداً شبه دائم في حقلهم وأعمالهم ومزارعهم.. مما جعلهم أقل مساهمة في الأعمال والإدارات السياسية عن أقرانهم من النبلاء والأثرياء!!
الوطنية التي تدافع عنها جريدة “الوطن” مجالها لا شك أوسع وأرحب من قبة البرلمان وساحته الضيقة!! وإذا كان التغيير في الوجوه البرلمانية التقليدية.. قد أصبح رغبة شعبية جارفة.. وكما ترى “الوطن”.. وذلك لحاجة البلاد إلى تغيير الشعارات الرئيسية الموجهة للعمل السياسي ورفع شعار التنمية!! فإن لـ”الوطن” دورها الرائد في إعاقة التنمية ومحاربة شعارها!! وذلك من خلال دفاعها عن قضايا الفساد. والتجاوز والتلاعب بالمال العام!! وتبني مراوغات تيار الإسلام السياسي.. وأطروحاته الجدلية والخاوية من أدنى مطالب التنمية والنهوض!!
قد تصدق توقعات وأمنيات جريدة “الوطن” فيما يتعلق بالمجلس القادم وقد لا تصدق!! غير أن ما أصبح يتوقعه الكثير.. أن تسيطر معارك تنافسية اقتصادية ومالية على التسابق السياسي البرلماني القادم.. سيكون دافع “الوطنية” فيها هو الأضعف!! ولا عجب فذلك هو إحساس الساسة والسياسيين إلا فيما ندر!! لتبقى الوطنية.. حقاً عاماً.. لا يستأثر به غني دون فقير.. ولا عالم دون جاهل.. ولا رجل دون صبي!! الوطنية إدراك والتصاق بالوطن ومصلحته أولاً.. لا تتحقق إلا بالعمل وفقاً لتلك المصلحة الوطنية العليا!! وليس عليّ أن أكون وزيراً أو نائباً لأساهم في ذلك العمل!! فإماطة الأذى عن الطريق كانت لا تقل في مكانتها عند رسول الله c.. عن إعداد القوة.. ورباط الخيل!!
الوطنية.. كالأجل.. لا يعرف عمراً ولا اسماً ولا مركزاً.. هي ملك لمن يملك العطاء والعمل وفقاً للصالح العام.. لا الخاص!! ونشكر الله على ذلك وإلا كانت الوطنية.. وطنية للبعض فقط!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى