
يا محلى الفرهود، يا ريت كل يوم يعود، هو هتاف شعبي شهير من ذاكرة العراق التاريخية، وكلمة الفرهود باللهجة العراقية تعني النهب والسلب الجماعي الذي يحدث حين يغيب القانون، وتعم الفوضى، وتصبح التجاوزات على الأموال والأمن والاستقرار هي السائدة.
حادثة الفرهود وقعت في بغداد عام 1941، وكانت موجة عنف ونهب استهدفت يهود العراق، لكنها أثارت في طريقها اختراقا للأمن عرّض بيوتا ومحال للنهب والتخريب واستغلها بعض الأشخاص من أجل السرقة والتعدي على أموال وممتلكات الدولة والأفراد. أصبح الشعار فيما بعد عنوانًا لوصف حال من يتمنى عودة الانفلات والفوضى؛ لأنها تمنحه فرصة للفساد والنهب والاستيلاء دون رقابة ولا عقوبة.
منذ فجر التحرير عام 1991، والأقلام لم تجف، والأفواه لم تصمت عن التحذير من مناخ فساد حاصر الكويت حينها، وخلق بيئة خصبة للفاسدين الذين عبثوا بمقدرات الدولة، إلى درجة أن حزمة الخس التي تساوي مئة فلس تم بيعها للدولة بمئة دينار، وبالقياس على ذلك أصبح هذا هو المعيار الذي سارت عليه أغلب المناقصات والتعاقدات فيما بعد، وأصبحت معها السرقات أموراً يتم التفاخر بها، ويتناول الناس في مجالسهم تفاصيلها. كان النهب والسلب والفساد جماعياً، وكان القانون مُقيّدًا، وكان للفاسدين مكانة اجتماعية بارزة، بل وفي الصدارة.
أخيرًا، شهدت الكويت محاولات لمحاصرة الفساد ومحاسبة سرَّاق المال العام، آخرها كان في تحويل متهمين إلى الجنايات في قضية الحيازات الزراعية، كما تمّت ملاحقة الكسب غير المشروع، وجرت إحالة قياديين على خلفية شبهات، وغيرها الكثير، ما يعيد الثقة إلى المواطن بجدية الدولة في مهمة محاصرة الفساد. لكن محاسبة الفاسدين وحدهم هي مسألة تُعالج جريمة ولا تتعامل مع نهج استطاع أن يضرب قواعده في المجتمع وعبر عقود طويلة. ولا جدال هنا بأن تحويل ملفات الفساد إلى النيابة، وإصدار الأحكام، ومعاقبة المتورطين، هي خطوات ضرورية ومهمة، لكن الفساد لا يبدأ عادة بتجاوز القانون فقط، ولا باختلاس المال العام، ولا بالتعدي على المواطن، بل تكون بدايته حين تسود دائرة المتنفّذين غير الخاضعين للمساءلة، فحين تكون الوظائف والمراكز نابعة من الولاء والتميّز القبلي أو الطائفي أو العائلي وليس الكفاءة والاستحقاق، وحين تُعالَج مكافحة الفساد بكونها جرائم عابرة يُحال فيها المتورطون إلى المحاكم، وتصدر بحقهم الأحكام، تكون مكافحة الفساد مرحلية فقط وليست جذرية، فعلى الرغم من أهمية مثل هذه الإجراءات، الا أنها لا تُشكّل وحدها معالجة حاسمة وجذرية للفساد، ما لم تطل الإجراءات البيئة العميقة التي استطاع الفاسدون التحرّك من خلالها وممارسة جرائمهم بحق الوطن والمواطن، فمكافحة الفساد الحاسمة لا تبدأ من قاعات المحكمة، ولا مع الأحكام الصادرة بحق المفسدين فقط، بل تبدأ من دور الدولة التي من واجبها بناء منظومة سياسية واقتصادية وإدارية تعوق عمل الفاسدين، وتكشفهم، وتجعل تكلفة الفساد عليهم عالية.
دور النيابة أو المحكمة يقتصر على إصدار أو إقرار العقوبة، لكن المحكمة وحدها لا تستطيع أن تبني بيئة محصّنة ضد الفساد، فهي تتعامل مع الضرر هنا بعد وقوعه، بينما يأتي تحصين مؤسسات الدولة وسد الثغرات التي ينفذ منها الفاسدون كمهمة تقع على يد الدولة التي تستبق الضرر هنا، وتقمع بقوانينها ونهجها البيئة التي أفرزت الفساد.
حادثة الفرهود التي تمت الإشارة إليها مسبقاً خير مثال، فأي فوضى في أي مجتمع لا تبقى فراغاً، بل سرعان ما يملؤه الفاسدون وسُرّاق المال العام، الذين يبدؤون بالتعامل مع المال العام وحق الدولة والمواطن بكونها غنائم مُباحَة، حدث ذلك في التاريخ القريب، في فوضى إعادة الإعمار بعد الغزو؛ الهدف إذًا تطوير أدائنا اليوم حتى تكون مواجهة الفساد حاسمة.


