
شن العراق، أخيراً، حملة وثورة قوية على الفساد أثارت تساؤلات حول توقيتها، وعما إذا كانت الحملة تهدف إلى تعزيز هيبة الدولة أم أن وراءها ضغوطاً سياسية واقتصادية، إقليمية ودولية.
بعد سقوط صدام حسين في عام 2003، تحوّل المشهد في العراق من قمع وديكتاتورية ورعب وقتل، ليصبح ليس ديكتاتورية عميقة وحسب، وإنما فساد ضارب في العمق، فبينما كان الفساد في حقبة صدام حسين شديد المركزية ومحصوراً في أجهزة الدولة والأمن المحيطة بالرئيس آنذاك، أي أن الفساد في عهد صدام حسين كان أيضاً بإذن رئاسي، وإن لم يكن رسمياً، لكنه كان متعارفاً عليه، فإنه قد تحول، اليوم، بعد سقوط صدام إلى فساد ممتد تتقاسم حدوده أحزاب وقوى سياسية وكيانات من داخل العراق وخارجه، نشط هؤلاء جميعاً واستطاعوا، منذ 2003، أن يرسّخوا فسادهم، خاصة في ظل انهيار مؤسسات عدة في الدولة بعد الحرب، وضعف المؤسسات الرقابية بشكل واضح.
قد لا يكون هنالك توقيت محدّد لمحاربة ومكافحة الفساد في أي مجتمع أو دولة، فكل الأوقات مناسبة وصالحة، لكن عندما يحدث بشكل مفاجئ، كما حدث في الحالة العراقية، فإن سؤالًا مشروعاً هنا يبرز حول مدى استمرارية حملة كهذه، فالبداية القوية عادةً لا تكفي وحدها ما لم تصاحبها آليات لضمان استمرارية مكافحة الفساد، بحيث تصبح نهجاً قائماً على أسس قانونية ودستورية وتنظيمية لا تتغير بتغير المعطيات الوقتية التي أوجبتها، كأن يتوافر غطاء سياسي وقضائي دائم ومحايد، وامتداد الحملات إلى جذور شبكات الفساد وأصولها، وليس مجرد معاقبة أفراد متفرقين.
ما تم طرحه في ملفات الفساد في العراق، حتى الآن، شمل توقيفات لعدد من المسؤولين والموظفين، إضافة إلى وصوله إلى أسماء سياسية وحزبية لامعة، جميعها متهمة بملفات وشبهات فساد مالية وعقود وهمية تجاوزت مليارات، وفساد إداري ونيابي، وهو أمر إيجابي إذا ما استمر على هذه الوتيرة.
المتابعون لحملة التطهير في العراق، وكالعادة في كل حملة ضد الفساد في أي مكان كان، يرون فعلاً بأن هنالك مؤشرات إيجابية تدفعها بداية جادة وقوية فتحت ملفات، واعتقلت أسماء بارزة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة التغيير البنيوي في مكافحة الفساد، الذي يكون قائماً على أسس صلبة، ويضرب كل الحلقات والوسطاء بحماية من القضاء والقانون، بمعنى آخر تغيير البيئة التي سمحت للفساد بأن يبني مؤسسته، ويحمي من بداخلها، ويعطيه الحصانة والقوة والنفوذ بمعزل عن القانون.
محاصرة الفساد في أي مكان، سواء كان في العراق أو غيره، ليس سهلاً على الاطلاق، فالفساد كمؤسسة يضم شبكة متداخلة من المصالح والعلاقات تتمدد أغلبها إلى عمق الدولة ومؤسساتها؛ لذلك فإن الطريقة الأسلم لمواجهته هي في تفكيك مثل هذه العلاقات ورفع الحماية عنها، ودعم الأجهزة الرقابية، وهذا دور يؤديه الجميع وليس الدولة فقط، فالمواطن مسؤول، والقضاء مسؤول، والإعلام مسؤول، والمجتمع مسؤول، حتى يتم استئصال الفساد من جذوره، وليس معاقبة أفراد فقط.

