«الهيبيز».. الزهرة في مواجهة البندقية
القبس - 23 أغسطس 2026م

غالباً ما تخلق الحروب قوى اجتماعية وسياسية وفكرية تطالب عادة بإنهائها، ولعل من أشهر تلك القوى والحركات ما حدث أثناء حرب فيتنام، حيث أدت دمويتها وعنفها إلى صدمة إنسانية هائلة، وتغيّرًا كبيرًا في المزاج العام عبر العالم، ويتكرّر اليوم مثل هذا التحوّل مع حرب غزة التي فاقت في أهوالها كل الحروب السابقة، ووحّدت العالم ضد الآلة الصهيونية، وأحدَثَت تحوّلًا جوهريًا في الخطاب العالمي، دعا إلى طرح سؤال حول إمكانية أن تكون الحرب في غزة والانتهاكات الإسرائيلية لأبسط معايير العدالة والقانون الدولي وحماية المدنيين وغيرها من «أخلاقيات» الحروب التي اعتمدها المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، أقول إمكانية أن تُشكّل غزة نقطة تحوّل تاريخية نحو نشأة حركة سلام عالمية أشبه بما حدث مع حرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي.
في صيف عام 1967، وفي ذروة الحرب في فيتنام، اجتمع ما يقارب الـ75 ألف شاب في سان فرانسيسكو، وبالتحديد في هايت-أشبوري، والتي تقع على تقاطع شارع هايت مع شارع آشبري، وقتها ارتبط ذلك التجمّع بحركة الهيبيز الداعية للسلام، وبموسيقى الروك، وثقافة التحرّر من القيود الاجتماعية، وبشعارات الحب لا الحرب، وتدريجيًا أصبح هذا الحي الصغير في سان فرانسيسكو قِبلةً لآلاف الشباب من العالم كله. كان عالمًا جديدًا ومختلفًا، بملابس ملونة وموسيقى واحتجاجات على الحروب، وشبابا بشعور طويلة وملابس مُزيّنة بزهور ترمز للحب والسلام، لكن أيضاً كان هنالك وجه مظلم لذلك الحي الجميل، حين انتشر الإدمان والمخدرات تحت غطاء الحرية، وزادت معدلات الجريمة وتدهور القيم الاجتماعية تحت ذريعة التمرّد على قيود المجتمع، وهو أمر استغلته جماعات إجرامية مثل جماعة تشارلز مانسن التي اقترفت جرائم قتل في كاليفورنيا عام 1969 راح ضحيتها مشاهير وعامة، مثل الممثلة شارون تيت وضيوفها في منزلها الفخم في كاليفورنيا. تشارلز مانسون هذا كان اسمه مرتبطًا بالثقافة المضادة التي تبناها مجتمع الهيبيز، رغم أن الكثير يرون فيه مجرمًا استغل تلك الثورة الاجتماعية الثقافية وبأنه لا يجوز اختزال الحركة فيه.
الذين درسوا حركة الهيبيز من علماء اجتماع وفكر وسياسة وفلسفة، رأوا فيها حركة أكبر بكثير من مجرد مجموعات شبابية بشعور طويلة وملابس ملوّنة وزهور، فهي في أساسها ثورة ثقافية واجتماعية ضد منظومة الحياة في أمريكا آنذاك، لتتوسع فيما بعد؛ وتصبح حركة عالمية مناهضة للحرب وداعمة للسلام. لم تكن هنالك برامج محدّدة للهيبيز، وإنما أفكار مشتَرَكَة جمعت الشباب في العالم حول رفض العنف، وثقافة الحرب، ونبذ المجتمع الاستهلاكي، وصيانة الحرية الشخصية، وضرورة تغيير الثقافة وليس السياسة فقط. وعلى الرغم من بداية الحركة ثقافيًا وفكريًا واجتماعيًا، إلا أن حرب فيتنام وأهوالها دفعت بالحركة لتكون عنصرًا فعّالًا في الاحتجاج السياسي المباشر على تلك الحرب.
طرح الهيبيز في الخمسينيات والستينيات أسئلة حول العدالة، والحقوق، والحريات، والحب والسلام، ومسؤولية الدولة والمجتمع تجاه التدهور الأخلاقي والسياسي والفكري الذي تشهده المجتمعات البشرية آنذاك. واليوم يتكرر المشهد وتعود غزة لتطرح الأسئلة نفسها حول طبيعة النظام السياسي والاجتماعي العالمي الذي يسمح باستمرار الحرب وانتهاك أبسط الحقوق البشرية.
قاوم الهيبيز حرب فيتنام بشعارات «أوقفوا الحرب»، ونادوا بالحب لا الحرب، وتحوّل رمز السلام الذي ابتكروه إلى أيقونة لا تزال حاضرة الى اليوم، هم رأوا حينها أن الحرب ليست مجرد قرار سياسي أو عسكري، بل هي نتيجة مباشرة لثقافة تقوم على العنف والاستبداد والمادية، واليوم تتكرّر مثل هذه الشعارات في حالة غزة، التي باتت تطرح أسئلة حول مواقف دول ومنظمات دولية وحقوقية، لتبقى صورة الزهرة في مقابل البندقية، التي كانت شعار الهيبيز في الستينيات، حاضرة إلى يومنا هذا.