غير مصنف

التنمّر أصبح «ترنداً»

القبس-6 يونيو2026م

لم ينشأ جيلنا نحن الآباء والأمهات على المفهوم الشائع اليوم للتنمّر، نعم كانت هنالك حوادث منفردة في المدارس آنذاك، مشاجرات وتسلّط من قِبَل بعض الكبار ضد من يصغرهم حجماً وسنّاً، لكنها لم ترقَ يوماً لتصبح حالة من حالات التنمّر، التي يشهدها العالم اليوم.
في زمننا، حمّل الرأي العام والإعلام حينها التلفزيون والسينما مسؤولية العنف واللا انضباط والسلوك المضطرب عند البعض، حيث رأى الناس في أن ما يبثّه التلفزيون والسينما من مشاهد عنف، قد يكون وراء سلوك الصغار والمراهقين العنيف أحياناً.

وإذا كان التنمّر في الماضي محصوراً في صورة واحدة، ومكان محدّد، وظرف معين، فإنه اليوم أصبح سمة سائدة بين الأطفال والمراهقين خاصة، فبينما علّمت السينما والتلفزيون سابقًا هؤلاء وعوّدتهم على مشاهدة صور العنف والحروب والقتل عبر شاشات مرتبطة بمكان محدد، تأتي وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، وتكنولوجيا الاتصالات، لتحوّل هؤلاء الأطفال والمراهقين من مجرد مشاهدين ومتابعين، إلى مشاركين في الحدَث وبشكل مباشر وعبر ضغطة زر على الجهاز ومن غرفهم الخاصة.

يُعرّف التنمّر بأنه أي سلوك عدواني يقوم به شخص، بهدف إيذاء غيره جسدياً أو لفظياً أو اجتماعياً أو سياسياً أو سلوكياً أو غير ذلك، وبينما كان مثل هذا السلوك بحاجة إلى مواجهة مباشرة في الماضي وبهويات واضحة، فإنه اليوم يأتي من خلال شاشات رقمية وأسماء وهمية وحسابات مجهولة المصدر، بمعنى آخر في السابق كانت المواجهة المباشرة تحمل قدراً من الخوف والمسؤولية، لأنها واضحة المعالم، بينما اليوم يستطيع المتنمّر إيذاء غيره وهو مختبئ خلف اسم مجهول أو حساب وهمي أو صورة مزيفة، في السابق كان المتنمّر بحاجة لعضلات وقوة جسدية تؤهّلانه لحسم المعركة اللفظية أو الجسدية لمصلحته، أما اليوم فلا حاجة لذلك، فالقوة أصبحت في سرعة انتشار المادة المؤذية، وفي القدرة على استقطاب أكبر شريحة من جماهير الشاشات، وبغض النظر عن مصداقية المادة أو جدواها.

اليوم لم يعد التنمّر مادة مقتصرة على المحيط الاجتماعي أو التربوي أو المدرسي، ولم تعد مواده الداعية للتشهير والسخرية والانتقام والتضليل مرتبطة بتلك الظروف فقط، بل تمدد التنمّر ليشمل المناخ السياسي، واقتحم العلاقات الدولية، وأصبحت الدولة المتفوقة عسكرياً وإعلامياً وتقنياً أقرب إلى صورة المتنمّر الضخم الجثة في المدارس وفي العلاقات الاجتماعية سابقاً، فأصبح معها تنمّر الدول على بعضها البعض مدخلاً للابتزاز السياسي والتدخل في الشؤون الداخلية وإضعاف دولة، في مقابل دعم دولة أخرى وهكذا، لذلك أصبحت الحروب الحديثة لا تتحدث فقط عن مواجهات عسكرية تحكمها القوة، بل عن صراعات وتنافس على الرواية والسردية، وعلى عنصر الخوف قبل الهيمنة، فمن يملك القدرة على بث الخوف أكثر هو من سيسيطر على الرواية والسردية اللتين تتحكم بهما آلة الإعلام فيما بعد وتصيغهما وترويهما لمصلحة المتنمّر في كل الأوقات.

في السابق كانت حالات التنمّر بين الأطفال والمراهقين يتم حسمها في مكتب المشرف الاجتماعي في المدرسة، ويتم احتواؤها بالمشاركة مع الأهل.

كما كان يتم احتواء حالات التنمّر في الشارع من خلال الأهل وأهل الحي السكني، أما اليوم، وبعد أن أصبحت التكنولوجيا تكافئ المتنمّر بتحويل سخريته إلى ترند يُشعل المواقع، فقد أصبحت السيطرة شبه مفقودة، وأصبح معها الاستهزاء والقذف والاعتداء اللفظي قابلاً للانتشار بضغطة زر وترند، تُتابعه جماهير مّغيّبة، كما أصبح التنمّر السياسي والعسكري متاحًا لمن يملك مُسيّرات رخيصة الثمن والكلفة، وليس من يملك الحجة والمبرر، الحرس الثوري في النظام الإيراني يتنمّر بمسيراته الرخيصة، والغرب يتنمّر ببوارجه الضخمة، ليبقى التنمّر واحداً، سواء داخل أسوار المدرسة أو في ساحات المعارك والعلاقات الدولية.
***
الرحمة لمن استشهد والشفاء للمصابين والشكر لأبطال الصفوف الأمامية، ولمطار الكويت، ولطاقم وزارة الصحة ولكل أهل الكويت الأوفياء، حفظ الله الكويت وأهلها من كل شر ومكروه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى