
جميعنا نحمل في داخلنا قدوة، نحذو حذوها، ونحاول قدر الإمكان أن نتطبّع بها أو حتى نتأمّل خصالها، قد تكون القدوة معلماً أو أديباً أو شاعراً أو مفكراً أو مناضلاً سياسياً وهكذا، والقدوة عادة ما تحفّز الإنسان وتعطيه دفعة للأمام، وأملاً في التغيير للأفضل.
قديماً، لم يكن من السهل أن يصبح أحد ما قدوة في نظر الناس، فالقدوة آنذاك كانت تشترط تضحيات ومواقف ومبادئ واضحة وعلما وفكرا ودراية وجهدا، وكلها أمور ترتبط بدورة زمنية قد تطول قبل أن تحظى تلك القدوة بالشهرة على مستوى المجتمعات البشرية وعبر امتدادها التاريخي، فمارتن لوثر كنغ والمهاتما غاندي، ونيلسون مانديلا، وعمر المختار، وجمال عبدالناصر، وبن بيلا وغيفارا، وغيرهم الكثير من المناضلين السياسيين خاضوا صراعاً طويلاً ونضالاً، قبل أن يصبحوا قدوات يسترجعها الناس حين يأتي الحديث عن النضال والمقاومة.
ابن خلدون لم يُخلّده التاريخ ويجعل منه قدوة في علم الاجتماع لأنه كان مشهوراً، بل إن قراءته العقلانية للتاريخ والعِمارَة والمجتمعات البشرية هي التي خلّدته في ذاكرة الناس، ولم يكن نجيب محفوظ مشهوراً، لكن أعماله في الأدب العربي هي التي صنعت منه قدوة أدبية، كما كان لأعمال طه حسين قيمة تنويرية دفعت فيما بعد إلى شهرته بين كل الشعوب العربية، كذلك كان فهد العسكر، وفهد بورسلي، وغيرهم من الشعراء والأدباء في الكويت.الأمثلة على القدوات في الأدب والشعر والتاريخ والسياسة أكثر من أن يحتويها مقال، وهؤلاء جميعاً خلّدتهم أعمالهم أولاً، وجعلت منهم مشاهير ورموزا خالدة.
اليوم، في زمن الصورة السريعة والخاطفة والتكنولوجيا الرقمية السريعة، أصبح الأمر معكوساً وأصبحت الصورة تسبق القيمة، وأصبح الإنجاز مجرد مشارَكَة رقمية والمشاهَدَة الأعلى هي معيار الجودة، والمؤثّر أو المؤثّرة هما السّلطَة في عالم افتراضي شاسع، لا يحكمه شيء بخلاف شهرة الانتشار؛ وبالتالي التأثير، فبينما كانت القدوة سابقاً تطرح نفسها قبل أن تحظى بالشهرة، أصبح اليوم المؤثّر أو المؤثّرة هم الحضور في فضاء مفتوح لا يحتاج إلى قيمة فعلية ولا تجربة ثريّة ولا إنجاز أدبي أو علمي أو ثقافي، فقط انتشار وشهرة.
لا توجد مرجعية نستند إليها، ولا معايير واضحة لتحديد مفهوم وهوية المؤثّر أو المؤثّرة، فالفكرة بحد ذاتها هي نتاج مباشر للتفاعل الرقمي عبر أدوات التواصل الاجتماعي، أما التقييم هنا فهو رهن المشاهدات والمتابَعَة ومن دون الحاجة لأن تكون هنالك قيمة فعلية لما تطرحه تلك الأدوات الرقمية، وحتى يكون الحديث هنا منصفاً فإن القليل جداً من هؤلاء المؤثّرين والمؤثّرات من يسعى لأن يكون هدفه توعوياً وليس استهلاكياً فقط، لكنهم يبقون قلة من بحر التأثير الرقمي الشاسع، والذي يهدف بالدرجة الأولى إلى مضاعفة المتابعين، لا بناء وعي ولا قيمة.
التقييم إذاً هنا يتحكّم فيه ويحرّكه متابعون غالباً ما يكون معيارهم الانتشار والشهرة والحضور على المنصات باستمرار، وبلا توقّف، وبغض النظر عن المضمون، وهنا تكمن الخطورة، فالمنصّات الرقمية غالباً ما تتعامَل مع السلع وليست القيم، وبالتالي فهي صورة من صور تعزيز الإفراط في الاستهلاك، وبشكل جشع، حتى لقد أصبح مصدرًا للقلق والتوتر لدى الكثير من الشباب والشابات.
ما يحدث هو تجربة بشرية جديدة مرتبطة بالتطوّر الرقمي والتكنولوجي، ولم يأتِ الوقت بعد لتقييم تداعياتها الاجتماعية والفكرية على الجيل الخاضع لشروطها اليوم، لكن من المشاهَدات العابِرة، يمكن الجزم بأن معادلة القدوة والمؤثّر تُعتَبَر معادلة صعبة في هذه المرحلة، فحتى اللحظة هنالك شبه إجماع، حتى من قِبَل المتابعين، أنه من المبكّر القول ان هؤلاء المؤثّرين قد استطاعوا أن يّشكّلوا قدوة بالمفهوم القيمي للمفردَة، فالتأثير لا يحتاج إلا إلى شهرة وانتشار، بينما تستند القدوة إلى سنوات طويلة من التجارب العميقة والممارَسات المُثمِرَة، والتي ترسخ في الذاكرة، أكثر بكثير مما يُحدِثه مشهد أو مقطع مصوّر لمؤثّر أو مؤثّرة، وإن كان من المؤكد أن الشهرة وحدها لا يمكن أن تخلق قيمَة، ولا تزرع وعياً، ولا تصبح مع الوقت قدوة، وإن حدث ذلك فهو قصير العمر والمدة.
