شئون خليجية

من ألمانيا.. إلى الخليج

القبس-30 مايو 2026م

يُقال إن بعض الأمم تَبني ذاكرتها من الحروب، والأمثلة على ذلك كثيرة من التاريخ، ألمانياعلى سبيل المثال، خرجت بعد حربين عالميتين ودمار هائل منتصرة على نفسها، فتحولت من دولة عسكرية توسّعية مركزية، إلى دولة قدّمت الديموقراطية والحريات وبناء الفرد، لتكون كلها في قمة أولويات ألمانيا الجديدة، أما بريطانيا فقد خرجت بعد الحرب العالمية الثانية بنظام اجتماعي وديموقراطي جديد، قام على الإصلاحات الاجتماعية والخدمات الصحية والتعليمية للمواطن، بالإضافة إلى إعادة رسم لدور الدولة تجاه المواطن، كذلك فعلت فيتنام واليابان ودول أخرى استطاعت أن تتكيّف، وأن تحوّل الألم والكوارث والحروب إلى مشاريع مُثمرة مستقبلاً، تؤمّن الرخاء والأمن للدولة والمواطن معاً.
الحروب والأزمات عموماً تطرح أسئلة، وتخلق فرصاً في آن واحد، أسئلة تدور دائماً حول الأمن والاقتصاد والمشروع السياسي والثقافي والفكري والتنموي، في المقابل هي – أي الحروب – تخلق فرصاً لمن يُجيد قراءة المشهد، وكما حدث مع ألمانيا واليابان وبريطانيا.
الحرب التي واجهتها دول الخليج مؤخراً واحتمالات الخطر، التي أفرزتها الحرب، مستقبلاً، طرحت على المواطن الخليجي أسئلة، وفتحت أمامه باباً واسعاً من الاحتمالات والتكهّنات والأولويات، سواء على مستوى الدولة أو على المستوى الشخصي للفرد.
يُدرك الجميع أنه في فترات الحروب ترتفع نبرة العاطفة، يحدث ذلك مع ضبابية المشهد ابان الحروب، والخوف من المغامرة، ويصبح معها الصوت العالي والاصطفاف المرحلي أهم من التحليل الموضوعي، أو الرصد الواعي لأولويات الوطن الحقيقية.
لكن مع مرور الأزمات وانفراجها تتضح الصورة أكثر، وتظهر هشاشة المواقف الضبابية تلك، وتكون الحاجة أكبر لمن يحلّل الواقع بموضوعية، ومن يملك الحنكة وليس الصخب فقط.
بعد هذه الحرب أصبحت أمام الكويت ودول الخليج بشكل عام مسارات مستقبلية سالكة، ليس على المستوى السياسي فقط، ولا العسكري وحسب، وإنما على مستوى الأفراد كذلك. سياسياً تبرز قضايا مصيرية ومُستَحَقّة تؤدي مع الوقت إلى خلق توازن داخل الدولة بين مسائل كالانتماء الوطني والحريات وحقوق المواطنين، وبين الاستقرار الطويل الأمد، والنمو الاقتصادي والتنمية والأمان.
أما ما يتعلّق بدور المواطن هنا في مرحلة ما بعد الحرب، فقد سجّل التاريخ من قبل دوراً لمواطني ألمانيا وبريطانيا، الذين أدركوا أن مستقبلهم مرتبط وبشكل مباشر بمشاركتهم وإسهامتهم في العمل والتعليم والبناء؛ يقيناً منهم بأن أصواتهم وإسهاماتهم وأدوارهم هي جزء من الأمن والاستقرار لبلديهما بشكل عام.
قد تكون الوفرة المالية في دول الخليج قد أدّت إلى ظهور نَمَط استهلاكي استنزف الشباب واخترق وعيهم، وبشكل صرفهم عن التعامل مع قضايا مصيرية مرتبطة بوجودهم وبشكل مباشر، و لأمل أن يخرج من تحت ركام الحرب الأخيرة جيل بأولويات مختلفة، أولويات تتعلّق بمعنى الاستقرار ومصدره، وحدود الأمن، ودورهم كجيل في الحفاظ على ذلك، وأهمية التخلي عن الاستهلاك الاستعراضي لمصلحة أمن واستقرار أكثر، أمن لا تقوده إعلانات موضة، ولا رحلات سياحية، ولا إنفاق بلا حدود ولا هدف.
حدَثَ مثل هذا التحوّل في الحرب العالمية الثانية في ألمانيا وبريطانيا، حين ظهرت أجيال جديدة بأولويات مختلفة، تحمل معها المزيد من التوجّه نحو العمل والتعليم الجاد والانضباط، مع مزيد من الوعي والمسؤولية والمشاركة في بناء أوطانهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى