الإعلامقضايا الوطن

الحرب ما تحرق إلا رجل واطيها

القبس-23 مايو 2026م

كان روبرت فيسك صحافياً ومراسلاً حربياً بريطانياً، اشتهر بتغطيته لكل حروب الشرق الأوسط، عُرِفَ عنه انتقاده الشديد للسياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، سُمعتُه كصحافي وكناقل للخبر جاءت من كونه دائماً ما يتناول الأحداث من زاوية الضحايا لا من زاوية الجيوش والحكومات، وتلك مهمة الصحافي الموضوعي المتجرّد من إملاءات الانتماء السياسي أو الفكري أو الأيديولوجي، وتلك بحد ذاتها مهمة صعبة اليوم، خاصة في ظل واقع يقول إن مَنْ يُحرّك الجيوش هو مَنْ يملك الإعلام، وبالتالي كانت مهمة روبرت فيسك صعبة إلى حد كبير، حيث كان ينظر إلى الحروب من الأسفل لا من الأعلى، من عين عائلة فقدت منزلها، أو أم اُستُشهد أبناؤها، أو أطفال أصبحوا بلا مأوى ولا أسرة ولا معين لهم في هذه الحياة، روبرت فيسك كان يرى أن دوره كصحافي أن ينقل معاناة هؤلاء الضحايا، فالجيوش والحكومات لهما قنواتهما وأجهزتهما ومنصاتهما الإعلامية، التي تضخ باستمرار مواقعها ومواقفها و«حقوقها».
غطّى الحروب الفلسطينية الإسرائيلية، وحروب العراق، وطرح وجهة نظر وأوضاع الخاضعين لويلاتها، نقل وبتجرّد مُطلَق تفاصيل مجازر، مثل صبرا وشاتيلا، وغيرها من انتهاكات بشعة في حق الإنسان.
مساهمات روبرت فيسك في هذا المجال تمخّضت عن أهم كتبه، الذي ظهر في عام 2005، حيث جَمَعَ فيه فيسك شهاداته الشخصية وتحليلاً تاريخياً للمشهد، والحروب التي عاصرها بنفسه في لبنان وفلسطين والعراق وإيران وأفغانستان، كتابه الشهير بعنوان «الحرب العظمى من أجل الحضارة»، تطرّق فيه فيسك إلى فكرة أن الغرب خاض حروباً في الشرق الأوسط تحت شعار «الحضارة» و«الديموقراطية»، بينما يرى هو، ومن مشاهداته، أن الأهداف الرئيسية من وراء كل هذه الحروب إنما هي مرتبطة بالنفوذ والمصالح ورسم الخرائط.
وكعادته في رصد مشاهدته للحروب، لا يعطي البطولة لقادة الجيوش والعسكر، بل يرى أن المشهد الحقيقي هو في سيارة إسعاف تستهدفها قذيفة، وفي أم تحتضن رفات طفلها الشهيد، وفي مهجّرين نُسِفَت منازلهم، وباتوا في العراء، تلك هي المشاهد التي كان يرصدها فيسك في كل تغطياته الإخبارية وفي كل تحليلاته، بل وحتى في كتابه «الحرب العظمى من أجل الحضارة».
نقل صور الحروب ومشاهدها بأمانة وتجرّد في مهمة سامية، تعكس تحدياً للمراسل ولكاتب الرأي، وهو للأسف من المشاهِد والمواقف النادرة، فالذين يشنّون الحروب ويرسمون مواقعها وإحداثياتها وأهدافها، هم من يدفع أجور المراسلين والشبكات الإعلامية، لكن من بينهم، وإن كانوا قِلّة وندرة، هنالك من لا يرى في الحرب أبطالاً منزّهين، ينقل الصورة الحقيقية والفعلية دون الحاجة إلى تبرئة أحد أو شيطنة أحد آخر.
ليس هنالك أسهل من أن تروي الحرب من الأعلى، أي من غرف العمليات، ومن فوق حاملات الطائرات، ومن أحداث المعارك وتفاصيل الصراع، لكن روايتها من الأسفل هو ما يفتقده العالم اليوم وفي كل الحروب السابقة، لذلك جاء روبرت فيسك وغيره ليُغيّروا المعادلة هنا، ويطرحوا أسئلة لا تتعلق بميزان الربح والخسارة بين المتحاربين، ولا فيمن ربح الحرب أو خسرها، وإنما تناولت تغطياتهم وتقاريرهم المسموعة والمرئية والمكتوبة أولئك، الذين دفعوا ثمن تلك الحرب، والذين سقطوا من ذاكرة أدوات الإعلام الضخمة والمُسيطِرة، الضحايا الذين لا يدخلون في صفقات المفاوضات، ولا في حسابات الربح والخسارة السياسية، هؤلاء هم مَنْ يدرك بشاعة الحرب، والتي عادة لا تحرق إلا رجل واطيها.
رواية الحرب كما قدّمها فيسك من الأسفل إلى الأعلى، هي التي تُعيد الإنسان ومعاناته وتدميره، وليست الدبابة والقذيفة وغرفة العمليات، إلى قلب الحَدَث والمشهد الكامل والحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى