الأدب والثقافة والفن

الوجه المظلم للشهرة

القبس-16 مايو 2026م

حقّق فيلم «مايكل»، المأخوذ عن قصة حياة الأسطورةمايكل جاكسون، أرقاماً قياسية في شباك التذاكر، وتنوّعت أسباب مثل هذا النجاح بين جمهور يرى في مايكل جاكسون أسطورة حية وباقية، وبين من رأى أن أداء ابن أخيه جعفر جاكسون لدوره في الفيلم قد كان له أثراً في انتشار الفيلم.
الفيلم بكونه أقرب للسيرة الذاتية لمايكل جاكسون، فتح الباب على مسألة الشهرة والمشاهير، وعلى الثمن الذي دفعه بعضهم في مقابل الشهرة والانتشار الجماهيري الواسع.
بحسب التفاصيل المُتاحة من حياة المشاهير، فقد عانى مايكل جاكسون كثيراً جراء الشهرة، التي حوّلته إلى مادة إعلامية مفتوحة ومُباحة للجميع، طاردته الشهرة وأصبح خبراً عالمياً.
يتابع الناس ملامحه وصوته وصحته وعلاقاته ومزاجه وتحركاته، حتى تقلّصت مساحة حياته الشخصية، وأصبحت بالكاد مُلكَهُ، فوقع فريسة الأرق المزمن، وانعدام الثقة بالغير، والعزلة، والاعتماد على المهدئات، والخوف من تراجع الأضواء، وكلها أعراض يشترك فيها الكثير من المشاهير، من الذين طاردوا الشهرة، فأصبحت مع الوقت قفصاً وحبساً لهم ولحياتهم الشخصية.
الأسطورة جودي غارلاند، التي لعبت دور الطفلة دوروثي في الفيلم الأيقونة The wizard of oz، لم تكن أحسن حظاً من مايكل جاكسون، فحياتها منذ طفولتها وإلى نهايتها تجسّد مثالاً قاسياً على الوجه المظلم للشهرة، خاصة في هوليوود، والتي حوّلتها من طفلة بريئة إلى آلة إنتاج تُدر دخلاً هائلاً، لكنه في المقابل حوّل حياة تلك الطفلة إلى سجن نفسي أدخلها في دوامة الانهيارات العصبية والمهدئات، أما القاسم المشترك بينها وبين مايكل جاكسون، فيكمن في أن كلتا الحالتين تحوّل فيهما الطفل ببراءته إلى آلة إنتاج لا تتوقف، تم استهلاكها تدريجياً مقابل ثمن نفسي باهظ وفاتورة حياة مؤلمة.
كثيرة هي متاعب الشهرة، التي قد لا يراها من هو خارج إطارها، لكن المشاهير ومع مضي الوقت يبدؤون في حصاد تبعاتها المؤلمة، ولعل أبرز تلك المتاعب هو في فقدان الخصوصية وبشكل تام أحياناً، فيتحول المشهور هنا إلى مادة مستمرة للمتابعة والتقييم والتعليق، الحسن منه والسيئ، ومعه يسعى وبشكل أكبر إلى التمسك بالنسخة التي أحبها جمهوره، وبغض النظر عن توافقها أو تعارضها مع شخصه وشخصيته الحقيقية والفعلية، فيقع معها في فخ التناقضات، الذي يقوده في النهاية إلى الاستنزاف النفسي، والخوف من انهيار تلك الصورة، التي أحبها الجمهور وكرهها هو.
سقطت جودي غارلاند في فخ المخدرات، وهرب مايكل جاكسون إلى منفاه، الذي حاول من خلاله استعادة طفولته المسروقة، فشيّد قصره الجميل في منتجع نيفرلاند، كلاهما كان يسعى للبحث عن ذلك الشخص، الذي أحبه هو، وليس الشخص الذي صنعه جمهور لا يعرفه حقيقة.
الأمثلة على مشاهير حاصرتهم الشهرة ودمّرت حياتهم كثيرة، من مارلين مونرو إلى بريتني سبيرز، ومن ألفيس بريسلي إلى روبن ويليامز، جميعهم سعوا أو استمتعوا بالشهرة في البداية، طاردوها لتتحول فيما بعد إلى وحش يطاردهم، عاشوا حياتهم في قوالب صنعها فنهم وجمهورهم، وابتعدوا معها عن جوهرهم الحقيقي، فتحولت حياتهم إلى فضاء شره ومفتوح للجميع، يصعب الهروب منه.
مشكلة هؤلاء جميعاً أنهم لم يروا ولم يدركوا في لحظة الصعود حجم الضرر، ولا ضريبة الشهرة، في وقت كان الصعود وحده طاغيًا على سواه، حتى يخرج وجه الشهرة المظلم، ويتحول معه تصفيق الجماهير إلى طنين متواصل، فيكتشف معها مايكل جاكسون، وجودي غارلاند وغيرهما حجم العزلة والألم اللذين صنعتهما الأضواء والنجومية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى