شئون دولية

هل يستطيع نتانياهو تغيير الشرق الأوسط؟

القبس - 2 مايو 2026م.

يكرّر نتانياهو أنه يغيّر الشرق الأوسط الآن، وفي آخر تصريح له صدر في الأسبوع الماضي، قال فيه إنه بالفعل قد غيّر الشرق الأوسط، ولم يوضّح ماهية التغيير، وعما إذا كان تغييراً جغرافياً أم سياسياً أم عقائدياً أم فكرياً أم اجتماعياً، ما يهم أنه مُصر على أنه قد بدأ بالفعل في تغيير الشرق الأوسط.
هو يتعامل هنا مع خريطةالشرق الأوسط، وكما لو كانت رقعة شطرنج يملك أن يحرّك فوقها كل اللاعبين وبأي اتجاه يريد، متجاهلاً هنا حقائق تاريخية وجغرافية تقول إن للمنطقة تضاريس سياسية وعقائدية واجتماعية وفكرية معقّدة بشكل كبير، تجعل من رغبة نتانياهو هنا تصطدم بمعوقات ومعطيات متشابكة، من المستحيل تجاوزها حتى من أكبر الجيوش عتاداً واستعداداً.
رغبة نتانياهو هذه تصطدم بواقع يقول إن الشرق الأوسط تحكمه اعتبارات أمنية دقيقة، وقوى إقليمية فاعلة، وتوازنات دقيقة، وصراعات تاريخية، ويتحكّم بمصالح دولية، ليس بالثروات والنفط فقط، بل بكونه يحتوي على أهم الممرات والمعابر والمواني، التي لطالما شكّلت أهمية إستراتيجية لهذه المنطقة الحيوية، وحتى قبل ظهور النفط، ولنا في أزمة مضيق هرمز خير دليل من حيث تأثيرها على العالم من شرقه إلى غربه.

يبدو أن نتانياهو لا يقرأ دروس التاريخ، وإلا لكان تعلّم بأن مشاريع التغيير في الشرق الأوسط لطالما اصطدمت بتعقيدات، تفرضها شبكة متداخلة من التوازنات العرقية والطائفية العميقة والمعقّدة، وأن الجيوش والمعدات العسكرية والاستخباراتية قد يكون بإمكانها إسقاط أنظمة، لكنها لا تملك أن تحقّق استقراراً، فالتغيير الذي حدث في العراق عام 2003، خلق فوضى يعاني منها العراق حتى الآن، وتعاني منها المنطقة بأسرها أمنياً وفكرياً، وبدليل أن هناك هجمات تلقّتها دول الخليج جراء عدوان النظام الإيراني، جاءت من العراق.
التوازن، وليس القوة العسكرية ولا التمدّد الاستخباراتي ولا الآلة الإعلامية الضخمة، هو ما يؤمّن استقرار أي منطقة معقّدة مثل الشرق الأوسط، مثل هذا التوازن هو ما يجهله أو يتجاهله نتانياهو في تصريحاته الداعية إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، والتي لا يمكن تحريك أحجارها بالرغبات والشعارات، وإنما بتقاطع الإرادات والمصالح المشتركة.
من التاريخ الحديث كانت هنالك محاولات عدة لتغيير المشاهد والخرائط في الشرق الأوسط، من حرب العراق عام 2003، إلى الحرب الأهلية في سوريا، ومن الثورة في ليبيا والحرب في اليمن، إلى تداعيات الربيع العربي، كلها كانت محاولات لتغيير الشرق الأوسط، لكن كل ما فعلته أنها عمّقت جذور الهويات القديمة والتوازنات الكامنة، نعم تسبب ذلك في إحداث فوضى مع كل هذه الحالات، لكن لم يتحقّق الاستقرار ولا الأمن، بل حدثت انتكاسات وحروب أهلية ودمار.
أما إذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء، فسنجد أن اتفاقيات سابقة أرادت توزيع ورسم خريطة الشرق الأوسط كاتفاقية سايكس بيكو، التي اصطدمت بجغرافيا المنطقة، فكان أن حرّكت بذور الانتماءات العرقية والطائفية الكامنة، وأدت إلى حروب ونزاعات مستمرة.
رغبة ومشروع نتانياهو في رسم خريطة الشرق الأوسط لا يختلفان عن تلك الأمثلة من التاريخ الحديث والقديم، جميعها كانت تسعى إلى تغيير في خريطة الشرق الأوسط دون أن تدرس أو تفهم حجم ودرجة التعقيد الكامن في هذه المنطقة الملتهبة عبر التاريخ. قد يستطيع نتانياهو أن يتحكّم في واقع ميداني حاضر من خلال قوة عسكرية أو استخباراتية، لكنه حتماً لن يستطيع أن يُعيد بناء منطقة الشرق الأوسط سياسياً وعقائدياً وعرقياً. فكل المحاولات السابقة اصطدمت بجدار تعقيدات هائلة في هذه المنطقة الساخنة جداً.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى