
مع تطوّر التكنولوجيا واقتحامها شؤون الفرد اليومية، تضاعَفَ الإحساس بالخطر لدى العالم باحتمال تفوّق الخوارزميات على العقل البشري، هذا الخطر تضاعف مع ظهور الآيفون في عام 2007 بتطبيقاته التي جعلت هذه الثورة المعلوماتية التقنية تقترب من حياتنا اليومية وبشكل ألغى الخصوصية وتحكّم في نمط التفكير والمشاعر لدى الناس، من محادثات لا تتوقف، وآراء يفتقد أغلبها الدقة، وبيانات لا تستند إلى مرجعيات بحثية ولا علمية، بمعنى آخر أصبح الفضاء مفتوحاً وبشكل خارج عن السيطرة في أحيان كثيرة وبحيث يتم في هذا الفضاء اللامحدود تداول قضايا سياسية وعسكرية وأمنية واستخباراتية، ويقدم فيه البعض نصائح نفسية واجتماعية وطبية، ويبث من الإشاعات ما يفوق خانة المصداقية والدقة والبحث والتحري، أما المشكلة الكبرى هنا فهي في صعوبة تتبّع الكثير من مصادر تلك الأخبار أو التحقُق من ناشريها ومروجيها.
في ظل مثل هذا الانفلات المعلوماتي الخطير، تحاول بعض الدول حماية فئة الصغار والشباب خاصة، من تأثيرات التكنولوجيا على نموهم النفسي والسلوكي، وعلى معايير وقيم أخلاقية وتربوية أربكتها تكنولوجيا التواصل، مثل فرنسا التي فرضت رقابة على استخدام الهواتف داخل المدارس، والصين التي حدّدت ساعات استخدام الأطفال للتطبيقات والألعاب الالكترونية، ومع ذلك تبقى محاولات السيطرة عقيمة إلى حد كبير، بعد أن غابت السيطرة على هذا المارد فتوسّع إلى أن ابتلع كل شيء.
وكما هو الحال مع التكنولوجيا اليوم، كانت محاولة احتواء الخطر النووي مشابهة، فمنذ أن أصبح السلاح النووي واقعاً، بعد استخدامه في هيروشيما وناغازاكي إبان الحرب العالمية الثانية، حاول العالم احتواءه فظهرت اتفاقيات الحد من انتشاره، يقيناً وإدراكًا من العالم بفداحة ومخاطر اللجوء إليه، فلجأ العالم إلى اتفاقيات دولية للحد من التسلّح النووي، لكن ذلك لم يمنع من وصول التوترات في العالم إلى مناطق ساخنة جداً، وكما حدث في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي اقترب فيها العالم آنذاك في حرب نووية شاملة خلال الحرب الباردة.
اليوم، وفي ظل التوترات والحروب في الشرق الأوسط، تعود مخاوف الانزلاق في هاوية الدمار النووي الذي قد يحدث بسبب خطأ بشري أو سوء تقدير سياسي أو عسكري، ومع أن الخطر النووي في الشرق الأوسط لا يزال نظرياً، من حيث فرصة الاحتمال، إلا أن ذلك لا يعني عدم احتمال خروج الأمور عن السيطرة وبشكل قد يؤدي إلى تهوّر طرف ما.
لن يستطيع العالم كبح جماح الثورة التكنولوجية التي عصفت بكل ملامح الجنس البشري الفكرية والبيولوجية والعسكرية والسياسية والاجتماعية، لأن المارد قد غادر القمقم، ولأن كل الشرور قد خرجت من صندوق باندورا الشهير، تماماً كما عجز العالم نفسه عن احتواء تمدّد السلاح النووي وانتشاره، وبشكل جعل البعض مذعوراً من إمكانية وصوله إلى جماعات مارقة وخارجة عن نطاق العمل السياسي المنظّم.
احتواء سباق التسلّح النووي لا يمكن تحقيقه باتفاقيات تنظيمية فقط، مع أهمية ذلك بالطبع، ما لم يرافق ذلك بناء الثقة الدولية في العالم، وإعادة اعتبار سيادية وسياسية لدول ترى أن تمسّكها بسلاحها النووي هو الضامن الأول للحفاظ على سيادتها، واعتباره أداة ردع حاسمة تجاه المخاطر التي تحيط بها، كما هو الحال فيكوريا الشماليةوباكستان والهند.
في كل أزمة سياسية وكل حرب كبيرة، يتساءل الناس عن احتمال اللجوء إلى السلاح النووي، وهو هاجس نظري حتى الآن، فالردع النووي في العالم، وقنوات الاتصال المتواصلة لمنع الانفجار مستمرة ومكثفة في لحظات الأزمات.
هذا، إضافة إلى التجربة التاريخية المريرة مع استخدام هذا السلاح فيهيروشيما وناغازاكي، ما يعني أن العالم بمؤسساته وجيوشه وأنظمته وعسكره لا يزال مدركاً حتى الآن لذلك الخطر كلما اقترب من حافة الهاوية حتى لا يسقط، ويطول الدمار كل من على الأرض، وليس بقعة معزولة بمفردها.

