
حين نشَرَ الكاتب الأمريكيجيروم ديفيد سالينجرروايته الشهيرة «الحارس في حقل الشوفان» عام 1951، ثارت ثائرة النقاد والسياسيين وأهل الاجتماع ورعاة المال والاقتصاد، واعتبروا أن الرواية تحمل في إطارها تمرداً على السلطة والقِيَم، وأنها استعرضت قضايا محظورة آنذاك في المجتمع الأمريكي، مثل الاكتئاب والغربة والتمرّد الاجتماعي على مؤسسة الأسرة والسلطة بشكل عام. حتى إن الرواية تم حظرها بعد نشرها إلى درجة أن إحدى معلمات المرحلة الثانوية قد تمت إحالتها للتحقيق في فجر الستينيات حين طلبت من تلاميذها قراءة الرواية.
الكاتب سالينجر، الذي خاض تجربة شخصية في الحرب العالمية الثانية وشارك في إنزال النورماندي، طرح من خلال شخصية الرواية المراهق هولدن كولفيلد أسئلة وجودية فرضتها الحرب وتداعياتها على الشباب، وتناول وبصراحة شديدة مسألة زيف المجتمع المليء بالعنف والقتل والدمار، متسائلاً بين حين وآخر عبر تفاصيل الرواية عن قدرة الإنسان على الحفاظ على براءته وصدقه في عالم مليء بالعنف والحروب والقتل والدمار والفساد، بمعنى آخر كانت الحرب العالمية الثانية، وتجربة الكاتب المباشرة فيها بمنزلة الشرارة التي أطلقت مثل هذه الأسئلة الوجودية التي سرعان ما انتشر أثرها في نفوس الشباب في تلك الحقبة، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
في ظرف خمسة عقود خاض الشرق الأوسط حروباً عدة، بخلاف المعارك والصراعات الجانبية، أما بالنسبة للخليج فقد تعرّض، وعبر أربعة عقود، لأربعة حروب قاسية، بمعنى آخر أن هنالك جيلاً كاملاً عاش في حروب متواصلة ومستمرة، وإذا كانت تجربة شباب أوروبا مع حربين عالميتين قد أفرزت أسئلة وجودية كالتي طرحها سالينجر في روايته، فإن الحرب الراهنة وما سبقها من حروب ستكون لها تداعيات على الشباب والأطفال لا تقل خطورة عن ما تعرّض له الشباب في أوروبا أثناء الحربين، وإذا كان القتال أو الموت احتمالاً يومياً في أوروبا آنذاك، فإنه اليوم يشكّل خوفاً دائماً، وشعوراً بعدم الاستقرار، وتساؤلاً متواصلاً عمَّن يتحمل مسؤولية هذه الحرب؟ فإذا كان شباب أوروبا قد عاشوا الحرب بأجسادهم آنذاك، فإن شباب اليوم يعيشونها بعقولهم ووعيهم بعد أن أصبحت وبفعل التكنولوجيا جزءاً من حياتهم اليومية، مخلّفة قلقاً وخوفاً من المستقبل المجهول، مع فقدان للثقة في كل شيء. وإذا كانت حروب أوروبا قد دفعت إلى الأمام بأسئلة وجودية، فإن حروب الشرق الأوسط والحروب المتتالية في الخليج قد خلّفت شروخاً أعمق في الثقة بالمؤسسات التي تقود العالم وجدواها، وبحقيقة الدوافع من وراء كل هذه الحروب، خاصة في ظل تنوع وتعدد الحروب بالوكالة في المنطقة، التي أصبحت تطرح سؤالاً جوهرياً: من يحارب من في المنطقة؟
أصعب ما في الحروب هو اختلاط القِيَم، قيَم الخير والشر، وقيَم الحق والفضيلة والبطولة والإيثار، وبحيث يتحوّل هنا الخطر من كونه عسكرياً مرتبطاً بمواقع وتواريخ محددة، إلى خطر نفسي وأخلاقي يغوص في الوعي ويبقى عالقاً لأجيال يكون فيها الشباب ضحايا لبيئة ضبابية لا مساحة فيها لليقين، وقد تقود في ما بعد لاعتماد القوة كمُخلّص من هذا المأزق، وبشكل يحوّل الحروب إلى حالة يومية اعتيادية، يفرض خلالها القوي سرديته الخاصة للحرب، فتتقدم القوة على مبادئ أخرى كالعدالة والحقوق، والتي لا يزال الضمير الإنساني يَحملها كمكتسبات يأمل أن ترقى يوماً إلى مرتبة الواقع المفروض سلماً لا حرباً وعدلاً لا قوة.
من جيل سالينجر، الذي عبّر عن غضبه وصدمته بتغيير الوعي الشبابي، إلى جيل شباب الخليج والعالم العربي الذي يمر بعضهم اليوم بحالة اغتراب مشابهة، تبقى القاعدة في أن العدالة أبقى من القوة ولو بعد حين، وأن أدوات الحروب وعنجهية القوة قد تسود لفترة، لكنها لا يمكن أن تدوم.


