شئون خليجية

حرب الخليج الرابعة

القبس-14 مارس 2026م

بالرغم من بشاعة الحروب، فإنها دائمًا ما شكّلت، وعبر التاريخ، محطات مهمة لإعادة النظر وترتيب الأولويات واستعادة زمام الأمور، حدث ذلك في الحربين العالميتين، الأولى والثانية، فبعد أن أخفق العالم في التعامل بحنكة مع تداعيات الحرب الأولى، استدرك، وبعد اكثر من عقدين من الزمن، وتجاوز أخطاءه، استلهم الدروس من حربين مدمرتين لقنتا العالم، وخاصة أوروبا، اهم دروس التعايش السلمي، وسبل بناء المجتمعات المستقرة الآمنة، فقامت ببناء منظومة علاقات ثابتة بين دولها، تحكمها الاتفاقيات والمعاهدات، وتدعمها مؤسسات حقوقية دولية، تعلّمت أوروبا ذلك بعد دروس قاسية كبّدتها ملايين القتلى ودماراً هائلاً في بنيتها المعمارية والمالية والبشرية، فتحصّن العالم من حينها بمنظمات دولية، كالأمم المتحدة ومواثيق كحقوق الإنسان واتفاقية فيينا للحروب وغيرها.
الشرق الأوسط، وبكل أسف، لم يتعلّم حتى الآن كيف يعالج الحروب وتداعياتها حتى لا تتكرر، على الرغم من أنها، أي الحروب، تعتبر فرصة تاريخية لسقوط الأقنعة واختبار الشعارات، وتقييم الأنظمة السياسية، وكشف النوايا والأهداف الكامنة خلف مُلصقات إخبارية أو خطابات حماسية.

لم يتعلّم الشرق الأوسط من كل تلك الحروب الدامية، لأنه لم يُعالج بنيته الثقافية والفكرية، سواء على مستوى العقيدة أو السياسة، أو على مستوى مفهوم المواطَنَة الحقيقية مقابل العصبية القبلية والإثنية والعرقية والعقائدية والطائفية، وجميعها تقود الى خلاصة واحدة، تفرضها الحروب المتتالية، وهي أننا ما لم نعالج هذا الخلل البنيوي، فإن تكرار الحروب سيبقى يحاصرنا، أوروبا لم تلغِ انتماءات شعوبها العرقية ولا الدينية، بل نظمتها وهذبتها بالقوانين والمواثيق.

لا شك في أن الكيان الصهيوني وجد في هذه البنية أفضل ملاذ لتحقيق مشروعه القومي والعرقي، وفشلنا في مواجهته عبر ما يقارب الثمانية عقود لأسباب بنيوية كذلك، قبل أن تكون عسكرية وحربية، ولعل الحرب الأخيرة، التي اشتعلت في المنطقة، وما نتج عنها من تداعيات مرعبة، جاءت على هيئة صواريخ إيرانية موجهة الى كل جاراتها في الخليج خير دليل على ذلك، في خلط مفزع للأوراق سيخرج منه الجميع خاسرين.

ولعل في هذه الحرب ما يؤكد أن مشكلتنا ليست في الحروب فقط، وإنما في البنية التي تغذّي وتُنتج وتَرعى مثل هذه الحروب.

الشرق الأوسط بأكمله بحاجة اليوم الى وقفة وإعادة نظر واعتراف جماعي بالمسؤولية، ومراجعة حقيقية للقومية والطائفية ، وهو أمر يستدعي تنازلات من كل الأطراف، وإلا ستبقى الحروب قدرنا، واستنزاف الثروات والبشر حالنا.

قد يكون في مثل هذا الطرح تفاؤلًا مفرطًا، لكنه تفاؤل تدعمه تجارب دول وشعوب أخرى، نجحت في تجاوز مثل هذه الإشكالية البنيوية في الفكر والقومية والسياسة والعقيدة، فنهضت وقمعت نزعات الحروب، وكما ورد أعلاه في المثال من أوروبا.

قد تكون المشكلة الأزلية في المنطقة بشكل عام هي في تحميل الغير مسؤولية كوارثنا، نعم خضعت المنطقة لظلم كبير، سواء ابان فترة الحكم العثماني، أو في حقبة الاستعمار الغربي، الذي رسّخ التفرقة والطائفية والاصطفاف القومي أكثر مما هو مرسّخ، لكن يُفتَرَض أن يكون قد مر ما يكفي من الزمن لتجاوز تلك الحقبة المظلمة، خاصة في ظل الخسائر التي يسببها استمرارها.

تغيرت لغة الحروب وأدواتها ودوافعها، ولم تعد المواجهات بين الدول المُتنازِعة محلية الشأن فقط، بل أصبحت ممتدة ومتشابكة إقليميًا، ولأن التاريخ يقول انه لا منتصر في حرب، فإن الحكمة هنا تقتضي، للخروج من هذه التضاريس المعقّدة، عقد مصالحات استراتيجية دائمة وليست تكتيكية مؤقتة، مصالحات بنيوية، وليست استعراضية وورقية وحسب، مصالحات تضمنها اتفاقيات ومنظمات دولية فاعلة.

جميعنا في منطقة الشرق الأوسط نطمح الى سلام بلا حروب، سلام لا يقوم على انتصار طرف على آخر، وإنما على إقرار من الجميع بأن تكلفة الحروب والصراعات هي خطر وعبء على الجميع، وأن السلام يقتضي المبادرة من الكل، وذلك بعد أن خضنا أربع حروب في الخليجفي ظرف أربعة عقود.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى