غير مصنف

بعد أن يهدأ غبار الخليج

29 مارس 2026

أثناء غزو صدام حسين للكويت في عام 1990، كتب الخبير الاقتصادي, والذي كان يعمل مستشارًا في الكويت، الدكتور حازم الببلاوي كتابه الشهير «بعد أن يهدأ الغبار»، حيث طرح فيه عدة محاور، أهمها ضرورة مراجعة النظام الإقليمي العربي بعد الانهيار الذي كشفه غزو الكويت، بالإضافة الى العلاقة بين الأمن والسياسة والاقتصاد في دول الخليج، ودعا الى ضرورة التفكير الواقعي، بعيداً عن الشعارات، وذلك بعد انتهاء صدمة الغزو، وعلى الرغم من أن الكتاب صدر قبل 36 عاما، إلا أن ما وَرَدَ فيه من توصيات تبقى صالحة لإسقاطها على الوضع الراهن، من اعتداء سافر شنّه النظام الإيراني على دول الخليج استهدف فيه بنى تحتية ومواقع مدنية لم تكن فيها قواعد أمريكية. لذلك فإن مفهوم الأمن الإقليمي أصبح ضرورة اليوم ويحتاج الى تقييم واقعي بعد أن ينقشع غبار هذه الحرب، فالصواريخ والمسيّرات هذه المرة لم تستهدف دولة واحدة وإنما انطلقت لتضرب كل دول الخليج، من السعودية الى البحرين ومن الكويت الى قطر ، ومن الإمارات الى عمان ، الكل أصبح هدفاً لصواريخ النظام الإيراني، وهو أمر وفّر تضامنًا على الساحة الخليجية في هذه الظروف الاستثنائية، حيث انطلقت شاحنات البضائع من الموانئ السعودية باتجاه كل الشقيقات في الخليج، وتم فتح المطارات فيها لخدمة طيران دول خليجية أخرى، وانتقلت بضائع من الإمارات إلى قطر والعكس، وتوحّد الموقف الخليجي تجاه العدوان وهكذا، وهو ما يُعتَبَر خطوة نتمنى ألا تكون مرحلية وانما دائمة حول ضرورة تحقيق المصالح الواقعية والدائمة وليس الانتماءات والشعارات الرمزية فقط.
بعد أن يهدأ غبار الحرب في الخليج لن يكون الوضع كما كان قبلها، ولن تعود المنطقة قطعًا كما كانت، وقد يكون التغيير القادم تدريجيًا لكنه حتمي في قدومه، ولعل أول ما قد يطوله التغيير هو في العقيدة الأمنية لدى دول الخليج كلها، فلقد أثبتت تداعيات هذه الحرب أن تعزيز الاعتماد على القدرات الذاتية الدفاعية يتصدّر أولويات التقييم والتحوّل في السياسات الدفاعية الخليجية.

قطعًا، ستكون هنالك تحولات وإعادة نظر في شكل التحالفات الخارجية، وقد يكون هنالك تنويع في الشراكات الأمنية، كدخول دول أخرى جديدة، أو شروط مختلفة، او تحالفات لوجستية، لكن من المؤكد أنه ستكون هنالك مضاعفة في الاعتماد على قوة الأمن الذاتية، خاصة بعد ما رأينا كيف كانت عزيمة وهمة وصلابة جنودنا في هذه الحرب، التي سقط فيها شهداء واجب لهم كل المغفرة والرحمة.

الحروب عادة وعبر التاريخ تخلق تحالفات من نوع مختلف وجديد وتطرح أولويات مختلفة، ولعل هذا ينطبق على الحرب الراهنة، فالتضامن العربي لم يعد خيارًا بل ضرورة، وبُعدنا الإقليمي في الخليج مرتبط وبشكل مباشر بالبعد العربي الأوسع، وتلك مسألة لا يجب ان تخضع للعاطفة ولا لحوارات التواصل الاجتماعي ومناكفات العرب المتواصلة عبر شبكاته، فالتضامن، خليجياً كان أم عربياً، ليس رفاهية سياسية، خاصة بعد أن لقنتنا الحرب الراهنة ما يكفي من الدروس، بل هو سلاح استراتيجي أساسه التنسيق لحماية مصالح الجميع، والذود عن أمن كل المجتمعات.

ستكون هنالك قطعًا مراجعة جذرية للعلاقة بين الأمن والسياسة والاقتصاد، فتكلفة الحرب نفسيًا واقتصادياً وأمنيًا، ستدفع باتجاه تحوّلات في مفهوم الأمن الخليجي بشكل عام، وأولويات بناء الدولة، وبرامج التنمية، وكلها أمور ستفرضها مرحليًا مسألة التقلبات الحادة في أسعار النفط، وإغلاق المعابر والممرات، بينما ستبقى هاجسا مستقبليا من احتمال تكرارها، لذلك فإن إعادة النظر في مفهوم التنمية أصبح ضرورة، فالتنمية لا تعنى مجمعات تجارية، ولا شهية استهلاكية مفتوحة بشكل مسرف، بل بنية مجتمعية امنية مستقرة وراسخة، وبرامج رعاية للفرد بشكل يعزز لديه قيم الانتاج والمسؤولية والمواطَنَة الحقّة، وليس الترف والاستهلاك المفرط اللذان أصبحا وبكل أسف ظاهرة في الثقافة الخليجية.

لا شيء اصعب من الحرب ولا شيء أقسى من الصواريخ والمسيّرات المعادية، وامتحان الحرب الراهنة ليس موجّهًا لدول الخليج وحدها، وإنما لكل العالم العربي، لذلك ليس أمامنا سوى رفع مستوى التضامن ونبذ الفرقة، هذه هي الوصفة التقليدية عند كل أزمة نمر بها، لكن الحرب الراهنة أكدت أن لا مخرج حقيقيا الا بصرف تلك الوصفة فعليًا وتنفيذها على أرض الواقع وذلك بعد أن يهدأ غبار الخليج.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى