
لا ألوم أحياناً بعض المرشحين الذين يصرون على إعادة التجربة، ودخول المعركة الانتخابية، فعلى الرغم من كل التكاليف المالية الباهظة للحملات الانتخابية، وعلى الرغم من الجهود البدنية والعقلية، وشراسة الهجوم والندوات الانتخابية في الكويت. ومع كل مؤشرات الإحباط واليأس، التي تبعثها مواقف واستجوابات وبرامج بعض التيارات داخل مجلس الأمة، فإن هناك من يصر على إعادة التجربة، لعل الحظ يكون أكثر إنصافاً له هذه المرة!
منذ أسابيع قليلة، نشرت إحدى الصحف وعلى صدر صفحتها الأولى صورة لسيارة أحد النواب في الطريق السريع وهو متجه إلى إحدى الاستراحات لقضاء عطلة نهاية الأسبوع! هكذا جاء خبر وصورة الصفحة الأولى ومن دون إشارة إلى أن النائب ربما كان في مهمة رسمية، أو أنه متجه لعقد اجتماع طارئ، فقط صورة سيارة النائب!
بعض النواب، وبكل أسف، صاروا مادة دسمة لبعض الصحف التي أصبحت تجتهد لمتابعة تفاصيل حياتهم اليومية وبصورة حولتهم إلى مشاهير ينشغل الناس بمتابعة أدق التفاصيل المتعلقة بشؤونهم اليومية! شأنهم في ذلك شأن نجوم الفن والكرة والإعلام!
النائب اليوم أصبح بحد ذاته سلطة ونفوذاً وقوة، وتلك بحد ذاتها ثروة لا تقل عن ثروة المال، بل إن السلطة والنفوذ مكملان للقوة المالية، فأصبحنا نرى بعض النواب يحرصون على تأمين كلتا القوتين إبان فترة نيابتهم عن الأمة! وإلا فما الداعي لتوظيف ألف من السكرتارية لخدمة خمسين نائباً، وأغلب هؤلاء الموظفين زوجات أو أصدقاء أو أقارب لبعض النواب يتم توظيفهم شكلياً طوال فترة نيابة الزوج أو القريب، في انتهاك واضح ومخجل للمال العام ولكل قيم العمل والأمانة!
فساد النواب، أصبح قضية لا تهدد مكتسباتنا الدستورية وحسب، وإنما تهدد قيماً أخرى كثيرة نحرص دائماً في تعاملاتنا اليومية، وفي مناهجنا التربوية على ترسيخها في المجتمع وفي وعي الأبناء! وإذا كان المجلس يحوي بعضاً من النواب الذين يقر المواطن بنزاهتهم وحرصهم على مصلحة الوطن والمواطن، فإنهم وبكل أسف أصبحوا معزولين بفعل تساهل الحكومة مع النواب المفسدين وتأمين كل أوجه التسهيلات لهم لممارسة نفوذهم وسلطتهم بمعزل عن القانون والرقابة والأمانة!
سلطة بعض النواب ونفوذهم الذي ترى فيه الحكومة عائقاً يحجب التعاون، ويعرقل الدور الأساسي لمجلس الأمة، هما سلطة مكتسبة بفعل تجاهل الحكومة لتجاوزات تلك الفئة من النواب، وبصورة جعلتهم يمارسون كل الأدوار وليس الدور الرقابي والتشريعي فقط! فالنائب اليوم يوظف ويعزل، وينقل الموظف من جهة إلى أخرى، ويتدخل في الترقيات، وهو يؤمن مواعيد الأطباء وجدول أشعات المرضى، بل ويمنح الجنسية ويوفر السكن ويعفو عن المجرم، فيبني على ضوء ذلك كله سلطة ونفوذاً إن لم تخدمه في حملات انتخابية قادمة، فهي حتماً ستوفر له مكانة اجتماعية بارزة!
مسؤولية فساد النواب مشتركة إذاً، بين الحكومة والنائب والمواطن! ويبقى فيها المواطن الحلقة الأضعف، حيث يلجأ إلى النائب لأن القانون لم ينصفه، فلو كانت للقانون سلطة لما لجأ المواطن واستعان بنفوذ النائب وسلطته لندور جميعاً في حلقة مفرغة، الجميع يتهم الجميع في تفريغ الدستور والأداء البرلماني من محتوياتهما السامية!
