
هل استطاعت قوى الفساد بالفعل أن تطيح بإرث طويل من العمل الوطني المخلص شيدته أيادٍ وقلوب كويتية مخلصة لهذا التراب؟
نتمنى أن تكون الإجابة بالنفي، لكن المؤشرات كلها تقول بنجاح تلك القوى التي لا تستطيع أن تتكاثر وتنمو إلا في محيط سياسي ملوث، نجاحها في أن يسود نهجها بشكل يؤمن لها استمراراً مضموناً!
بالأمس كان فيصل المسلم واليوم يأتي محمد الصقر، وغداً ربما تأتي بقية الأيادي البيضاء، لتتضاعف بذلك قتامة وسوداوية المشهد السياسي الراهن!
قد لا يلوم أحد النائبين الفاضلين على ترجلهما، فتيار الفساد أصبح عاتياً، وأدواته أصبحت أقوى من أن يجابهها هؤلاء منفردين، واللحمة الكويتية التي أفرزت دستوراً وحقوقاً ومكاسب وطنية يشهد لها الجميع تكاد تتبعثر وتتلاشى! فنحن جميعاً كمواطنين ساهمنا في إيصال بعض الرموز البيضاء إلى حافة اليأس هذه، بعد أن تجاهلنا دورنا الرئيسي في الاختيار الصح الذي لا تشوبه شائبة بخلاف حب الكويت والذود عن مصالحها فقط!
ليس من العدل تعليق كل إخفاقاتنا على نظرية المؤامرة والتربص، لكن من الواضح أن هناك نهجاً مكثفاً لتدمير وتهميش الديمقراطية في الكويت، وهو نهج يموله ويسنده ويدعمه تيار الفساد، بدأ بتتويج بعض المهرجين للسخرية من الانتخابات والمرشحين، وذلك في أول انتخابات تجري بعد الغزو المشؤوم، ليستمر النهج ذاته في أجهزة الإعلام المسخرة من قبل تيار الفساد لتشويه صورة المجلس والديمقراطية بشكل استفزازي ومقزز.
نحن لا ننكر أن هناك تجاوزات لبعض النواب داخل المجلس، وأن هناك إسفافاً في الطرح يروج له بعض النواب، لكن ذلك لا يمنح الحق لإعلام الفساد في أن يستهزئ بنهج ناضل من أجله أهل الكويت، وبذلوا الدم في سبيل تأصيله في الوعي والإدراك الكويتي!
لقد لخص النائب السابق محمد الصقر في بيانه جوهر الأزمة الكويتية، واستعرض وبشكل واضح جملة من المعوقات التي تقف حائلاً دون ممارسة ديمقراطية صحيحة وفاعلة، مشيراً إلى أن بداية الإصلاح لا تكون إلا مع مشروع جاد وحقيقي لإصلاح النظام السياسي، وأن أزماتنا المتلاحقة هي نتيجة تراكمات على مدى أربعين عاماً أو أكثر، من سياسات خاطئة وإجراءات متناقضة وردود فعل متوترة، بسبب غياب الرؤية لدى الحكم والحكومة والمجلس!
ما ذكره النائب الفاضل محمد الصقر يجرح القلب لكنه يمس الحقيقة مباشرة، فمن قلب تلك التراكمات ترعرعت مؤسسة الفساد، وسادت قيمها الرخيصة عبر أجهزتها الإعلامية وأبواقها، وها هي الآن تنشط لتدمير قيم الديمقراطية التي غرسها رجالات مخلصون مستهزئة برموز سياسية أثرت الحركة الوطنية في الكويت!
فعلى الرغم من الأداء السيئ لبعض نواب مجلس الأمة، ومع كل التجاوزات التي مارسها البعض الآخر، وعلى الرغم من كل الأخطاء التي مارسها المرشحون والنواب والناخبون، يبقى مجلس الأمة وما يشكله من سمات الدولة الحديثة محطة ناصعة في مسيرة الكويت السياسية، ومكسباً علينا جميعاً التشبث به إن نحن أردنا النهوض، فمن دونه سنعود إلى عصر الرعية، ومن دون الصقر والمسلم، وبقية الأيادي البيضاء!
