
هل المعارضة جدل؟ سؤال يطرحه البعض ونحن نشهد انقساماً واضحاً بين مؤيد للانتخابات ومن ثم مشارك، ومعارض لدستورية المرسوم ومن ثم مقاطع! وهل دخلت الكويت حقاً في ظل التصعيد الراهن خانة الدول الديمقراطية الحقيقية مع بروز وفعالية دور المعارضة السياسية؟!
أسئلة يتم تداولها اليوم بشكل واسع ليس على الصعيد المحلي وحسب، وإنما كذلك يتم تداولها في المنتديات والفضائيات العالمية!
بداية، ننوه إلى أن المعارضة في الكويت ليست وليدة اليوم، ولا هي بمحصلة الممارسة الديمقراطية ممثلة بمجلس الأمة فقط، فالمعارضة في الكويت كانت حاضرة عبر تاريخها، وقد كانت لها محطات واضحة، رسخها التاريخ، كحادثة تجار اللؤلؤ، وأحداث العشرينيات والثلاثينيات وما أعقبها من نشاط سياسي واضح للمعارضة مع البدء بالعمل بالدستور، والممارسة الديمقراطية البرلمانية.
الجدلية الدائمة بين المعارضة من جهة والنظام السياسي من جهة أخرى، أن المعارضة كانت ولاتزال تسعى لأن تحتكم في مرجعيتها للقانون وللنظام العام وللدستور فيما بعد، بينما تحاول السلطة تحييد ذلك لتأكيد قبضتها.
هذه الجدلية ولدت دائماً حواراً كان في بعض الأحيان عنيفاً، وهو – أي الحوار – ضروري، بل ويعتبر المدخل الأول للسياسة! فلا سياسة من دون حوار، ولا حوار من دون معارضة! هكذا هو الواقع أو هكذا يفترض أن يكون، والسياسة كما ورد تعريفها في أكثر من مقال ومرجع هي نفي العنف أو نفي الحرب خارج المدينة! فالسياسة هي المعنى الذي تنعقد عليه وحدة المجتمع والدولة ووحدة الحكم والشعب ووحدة السلطة والمعارضة!
في الحقبة الراهنة من تاريخ البشرية، وبعد حروب طاحنة حصدت الملايين من الأرواح، بدأ العالم خطواته نحو خطاب سياسي جديد أكثر عقلانية من خطاب القرن الماضي، وتحولت معه أدوات الحروب لتصبح أقل عنفاً ودموية، هذا على اعتبار أن السياسة هي في واقع الأمر حرب أطرافها السلطة والمعارضة، كل يسعى لاستخدام أدواته لتحطيم الآخر ونفيه!
لا يوجد مصطلح معارضة موالية إلا في الأنظمة الدكتاتورية التي لا تؤمن بالحوار، وبالتالي تستخدم العنف لإخضاع الطرف المقابل لها! لكن في المجتمعات الديمقراطية حتى وإن كانت في بداية نشأتها فإن السلطة تستمد شرعيتها من وجود المعارضة لا العكس! فالسلطة والمعارضة صنوان، كل بحاجة إلى الآخر وإلا انتفت أهم مقومات قيام الدولة وفقاً للتعريف السياسي المعتمد!
يبقى إذاً المعيار الأهم في نجاح مجتمع سياسي ما أو إخفاقه، أن تكون المرجعية للطرفين؛ أي للسلطة وللمعارضة، القانون والدساتير وكل ما من شأنه ضبط النظام في الدولة! لذلك نقول إن الأزمة الراهنة في الكويت والتي قسمت المجتمع إلى مشاركين ومقاطعين هي أزمة في الاتجاه الصحيح، لأن الأطراف مختلفة على مرجعية دستورية وهي في هذه الحالة تفسير المادة 71 من الدستور، وبذلك يجب على الأطراف كلها هنا أن تلتزم شروط الاختلاف، فلا عنف مقبول من السلطة في هذه الحالة، ولا فوضى وعبث بالنظام العام مقبول من المعارضة، بل عمل من كل الأطراف لترسيخ مرجعية الدستور والقانون التي هي عماد المجتمع السياسي الحقيقي والصلب!
