
في بدايته كان الإنسان يعيش في مجموعات تشاركه العرق واللون وفي ما بعد الفكر والاعتقاد، كان يرى في كل من هو موجود خارج دائرته “آخر” يشكل خطراً عليه وعلى مجموعته، ثم نمت المُجتمعات “بيولوجياً” وتشابكت في ما بينها وأرغمتها الثورات الزراعية والصناعية والفكرية في ما بعد على الخروج بصيغ توافقية لتنظيم علاقاتها ومصالحها مع “الآخر” الذي لم يعد خطراً عليها بل شريكاً لها! فجاءت الدساتير والمجالس المنتخبة والحكومات لتخلق إطاراً ينظم العلاقات البشرية البدائية السابقة ويضع لها صيغة مدنية تتوافق مع كل ما استجد في تاريخ البشر الاجتماعي!
والكويت، هذا المجتمع الصغير الذي يُعد من أقدم دول الخليج في التجربة البرلمانية والديمقراطية، كذلك كان شأنه، شأن كل المجتمعات التي انتقلت من البدائية المجتمعية والسياسية إلى تنظيم الدولة المدني والعصري، لكن عملية الانتقال لم تكن بهذه السلاسة، وعلى الرغم من تاريخ الديمقراطية في الكويت الذي يعود إلى عام 1921 عندما طالبت مجموعة من المواطنين بالمشاركة في الحكم عن طريق مجلس شورى، ولتتطور الأحداث في ما بعد إلى عام 1938 وما صاحبها من صدام آنذاك بين الحكومة ومجموعة من الناشطين السياسيين الذين طالبوا بمجلس تشريعي، إلى أن صدر أول دستور كويتي في 11 نوفمبر 1962، مسيرة حافلة بالصراع والشد والجذب، كانت لها انتصاراتها وانتكاساتها التي لخصها الدكتور الحكيم أحمد الخطيب في كتابين لخصا مسار ذلك الصراع، الأول”الكويت من الإمارة إلى الدولة”، الذي يتناول كيف انتقلت الكويت من مشيخة صغيرة إلى دولة فيها دستور وقانون مدني وقوى اجتماعية حية، والثاني “الكويت من الدولة إلى الإمارة”، ويتحدث فيه عن كيفية تهميش المجتمع المدني وحركات الشباب.
هذا المقال يأتي بالتعاون مع مجموعة من الزملاء لإثارة مسألة الانتكاسة مؤخراً في مؤشرات المجتمع المدني الحداثي لمصلحة مجتمع يغلب عليه ويتحكم فيه العنصر العشائري والقبلي، وهو انتماء اجتماعي ضيق يتصادم مع كل قيم الديمقراطية والاختيار الحر، ويرسّخ لدى الفرد نزعة الخوف من “الآخر” والانزواء داخل سور الجماعة، وكلها مخاوف بدائية كما أشرت في بداية حديثي.
في عام 1998 أُضيفت إلى قانون الانتخاب في الكويت فقرة جرّمت “كل من نظم أو اشترك في تنظيم فرعية أو دعا إليها”، وجاءت هذه كمحاولة للسيطرة على تداخل العامل القبلي مع مشروع التحول إلى دولة مدنية حقيقية، لكن هذا القانون يتم انتهاكه وباستمرار عند كل انتخابات من قِبَل الجميع، مسؤولين كانوا أو مواطنين، ما يعني أن مواجهة النزعة القبلية لا تتحقق بقانون وإنما بمعالجة ناضجة للأسباب التي تدفع هؤلاء إلى أن يلجؤوا إلى حصن وسور القبيلة، ومثلما أسقطت الثورات الزراعية والصناعية والفكرية أسوار المجتمعات الضيقة وألغت الحاجة إليها، فنحن كذلك بحاجة إلى “ثورة” تجعل المجتمع المدني والدولة هما الحاضنة الأقوى للفرد، وتجعل من الدستور والقانون الميثاق الوحيد الذي يلزمنا جميعاً ويحترمنا جميعاً. وقبل أن يتلاشى نص المادة 29 منه التي تقول إن: “الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين”.
