
لا تربطني بوزيرة الشؤون الدكتورة الفاضلة غدير أسيري علاقة، لكن هنالك هموم وطموحات مشتركة تربطني بكل الوطنيين الشرفاء الذين تدمي قلوبهم وهم يراقبون ما يجري من انتهاك واضح لجوهر الدستور، وروح العمل البرلماني الجاد الذي أصبحنا نتباعد عنه مع كل معركة استجواب غير مستحقة!
يجافي مقدمو استجواب الدكتورة غدير أسيري الحقيقة حين يقولون إن دوافعهم إصلاحية خالية من النفَس الطائفي أو الفكري، فهم يدركون أكثر من غيرهم ما تنص عليه المادة الـ 100 من الدستور التي تقول إن “لكل عضو من أعضاء مجلس الأمة أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلة في اختصاصاتهم، ولا تجري المناقشة في الاستجواب إلا بعد ثمانية أيام على الأقل من يوم تقديمه”.
هذا ما نص عليه دستور دولة الكويت، وهو نص واضح وصريح، لكن ما تنص وتصر عليه آراء مقدمي الاستجواب تحكمه أهواء وأغراض أخرى، لم تعد خافية عن عامة الناس!
غدير لا شك أصبحت أسيرة، ونحن معها في نفس الأسر، ولا مخرج منه إلا بالتحرر من كل القيود التي أصبحت تعيق وتكبل كل الجهود الداعية والمطالبة بالإصلاحات السياسية قبل الشروع بوضع لبنة في أي مرفق من مرافق الدولة.
الإصلاح السياسي الشامل مطلوب اليوم، وإن كان من المهم اليوم البدء بالمؤسسة التشريعية، باعتبارها مصنع القوانين والقرارات التي تمس حياتنا في أبسط تفاصيلها، خاصة في ظل ما تشهده هذه المؤسسة من استنزاف للجهود وإهدار للوقت في سلسلة معارك استجوابية، من الواضح أنها لا تعدو عن كونها تصفيات سياسية وفكرية تأتي على حساب مستقبل الوطن والمواطن.
لقد تحول الاستجواب، وبكل أسف، في الكثير من الأحيان، من أداة مساءلة ومراقبة قانونية إلى وسيلة مساومة لا يخفى ضررها على أحد، وقد جاء الأمر هنا في حالة غدير أسيري ليصل أقصاه، متجاوزاً كل نصوص الدستور وما رسخته من حريات.
الدكتورة غدير أسيري وفقاً لمسماها الوظيفي كوزيرة شؤون، مساءلة فقط ضمن نطاق اختصاصها، ومختصر قسمها أن تؤدي عملها بالأمانة والصدق، فكيف تمكّن المستجوبون من تقييم عملها واختصاصها مع أول يوم تزاول فيه العمل؟
واضح أن الاستفزاز الذي تشكله غدير بالنسبة إلى المستجوبين لا علاقة له بأدائها، وإنما برأيها، وفكرها الذي يسير باتجاه معاكس لهم، وهو أمر يشكل انتهاكاً للدستور الذي نص على أن حرية الرأي مكفولة!
المضحك/ المبكي في استجواب غدير، أنه يأتي في ظل ظروف داخلية وإقليمية حرجة للغاية، وتدهور في القيم السياسية والفكرية، وملف الشؤون لا شك يزخر بتجاوزات في الإقامات الوهمية والجمعيات الخيرية المخالفة، أما المبكي هنا فكون هؤلاء تركوا كل هذا واستشاطوا غيظاً من تغريدة لا تعبّر إلا عن رأي من كتبها.
ألم أقل لكم إننا جميعاً أسرى مع غدير، أسرى تكسّب فكري وسياسي مخيف للغاية؟
