غير مصنف

التأزيم ليس مرزوق الغانم ولا مسلم البراك

[جريدة القبس 22/3/2021]

المشهد السياسي في الكويت اليوم ساخن جداً، الكل يشك في الكل، والناس غير قادرين على أن يخفوا قلقهم من اليوم، ومن الغد، والجميع يتساءل من المسؤول عن مثل هذا الاختناق السياسي؟ هل بدأ التأزيم من قضية دخول المجلس، أم أنه تأجّج بفعل خطاب مسلم البراك؟ هل كان انتخاب مرزوق الغانم رئيساً للمجلس من جديد هو الذي أشعل الفتيل، أم يا ترى لعب المغردون دورهم في تسخين الساحة؟
في الواقع إن القضية أبعد من مرزوق الغانم ومن مسلم البراك، ومن كل الاستجوابات الهامشية التي أصبحت سلاحاً في معركة خطيرة تدور رحاها منذ فترة ليست بالقصيرة في الكويت الحبيبة.
صراع الأجنحة في الكويت، الذي كان يُشارُ إليه سابقاً بحذر، أصبح أكبر من أن تُخفيه دبلوماسية بعض أفراد الأسرة الحاكمة التي طالما اجتهدت لاحتوائه ومنعه من أن يكون طرفاً في الصراع السياسي داخل الكويت.
لم يعد الصراع داخل بعض أقطاب الأسرة سراً، بل أعلنها رئيس الوزراء صباح الخالد في تصريحات صحافية عن وجود صراع مُتَشَعّب بين أفراد في الأسرة، وقد لمّحَ في تصريحه إلى أن جُل هذه الصراعات لها علاقة بملفات فساد، محذراً من أنه لا أحد فوق القانون، وجميع أفراد آل الصباح مواطنون كويتيون تُطبّق عليهم جميع العقوبات حال تورّطهم بأي مخالفات.
قد يكون جرس البداية في الإفصاح عن صراعات في الأسرة قد جاء يوم خروج الشيخ أحمد الفهد على شاشة التلفزيون معتذراً، وهو الخروج الذي أكّد أن الصراع بين أقطاب الأسرة قد وصل إلى محطة خطيرة، ستنعكس وبشكل مباشر على الشارع الكويتي وعلى الشأن السياسي فيه، وعلى المسيرة الديمقراطية بشكل أدق، وهنا قد تكمن المعضلة، فمن الواضح لأي مراقب للأحداث المتسارعة مؤخراً على الساحة الكويتية أن مناخ الحرية النسبي، وتجربة الديمقراطية والانتخابات الحرة، قد أصبحت معضلة لدى البعض، سواء من داخل الكويت أو من خارجها، وهو أمر قد لا يكون مُفاجئاً أو مُستَحدَثاً، لكنه اليوم يأتي ليصبح مجهرياً في حجمه، وطاغياً في تداعياته، وجميعنا بلا شك تابع بعض التغريدات من الكويت ومن خارجها والتي تُلقي باللوم في كل ما تواجهه الكويت من أزمات، على وجود مجلس أمة مُنتَخَب، بنواب يمثّلون الأمة، ويمارسون سياستهم وفكرهم بحرية.
منذ فجر استقلال الكويت عام 1962 وحتى يومنا هذا، بقيت الكويت وستبقى مختلفة و”غير”، فلقد دشّنَت دستوراً عصرياً، وتعيش تجربة برلمانية غنية رغم كل المعوقات التي تواجهها، وهي بذلك تسبح ضد تيار مختلف وشرس في مقاومته، سواء إقليمياً أو عربياً، فمن قلب الكويت خرج أحرار عرب كثيرون وأسهمت كدولة من خلال شخصيات بارزة من أبنائها في تأسيس حركة القوميين العرب، دعَمَت دائماً وتدعم قضية العرب الأولى وترفض التطبيع الذي أصبح “موضة” اليوم شعبياً ورسمياً، وبرلمانياً.
إرث مُشَرّف كهذا يستحق من كل كويتي وكويتية أن يدافع ويذود عنه، فالحريق إن اشتعل لن يحرق بقعة بمفردها، بل سيأتي على كل ما بنيناه من إرث سياسي وديمقراطي حر، أو مثلما صرّح حكيم السياسة الدكتور أحمد الخطيب قائلاً: “الظروف تتطلب وحدتنا واحترام الدستور وتَجَنّب اللعب بالنار، فالنار تحرق الجميع”.
مشكلة صراع بعض الأجنحة داخل أسرة الحكم في الكويت تنحصر في أن أطرافاً خارجية كثيرة أصبحت مُنخَرِطة في هذا الصراع، فبعد أن كان صداماً بين أبناء عمومة، تعقّد المشهد اليوم بدخول أطراف أخرى، بل وربما دول أخرى!
لقد عاهد أهل الكويت واختاروا أسرة الصباح لتكون الإمارة فيها، ولا يقبل أي كويتي بغير ذلك، ولعلَّ أحداث الغزو لا تزال حاضرة بيننا، لذلك يتمنى كل كويتي وكل كويتية أن يستقر الأمر داخل الأسرة وأن تهدأ الأمور بأهل الرأي السديد والحكمة، حتى تسير سفينة الكويت وتعبر بسلام.
الأزمة إذاً ليست في مسلم البراك، ولا في مرزوق الغانم، فالصراع والخلاف أبعد من ذلك، ويبقى الأمل قائماً في أن تسود الحكمة وأن تهدأ الأمور بأهل الرأي الحكيم، ويرقى بها أصحابها إلى سدّة الصواب.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى