
أثارت الأحداث التي شهدتها قاعة عبدالله السالم بمجلس الأمة أخيراً هلعاً لدى البعض، ويأساً لدى البعض الآخر، وتخوفاً من انهيار إرث من الديمقراطية بناه أهل الكويت عبر أكثر من مئة عام.
صحيح أن الأحداث التي شهدها المجلس في الأشهر الأخيرة كانت مؤسفة، لكنها تبقى حلقة مُهمة من حلقات الحراك أو الصراع باتجاه المزيد من التنقيح والتطوير لتجربة رائدة في المنطقة، جعلت من الكويت أشبه بواحة متميّزة عن محيطها الثقافي والسياسي والفكري والاجتماعي، مع ما يعنيه ذلك من احتمال تسرّب التجربة، بما فيها من مخاطر وتحدّيات إلى خارج الحدود الكويتية.
من المؤكّد، واستناداً إلى تجارب تاريخية عدّة، لا يمكن لمسار التاريخ أن ينحرف إلى الوراء أبداً، بمعنى أن الشعوب التي عاشت تجارب ديمقراطية وانتخابات حرّة، وتمتّعت بهامش حريات مُريح ومعقول، ومارست صراعاً سياسياً وفكرياً نابضاً، لا يمكن لهذه الشعوب أن تتنازل عمّا حقّقته أو ما اكتسبته من حقوق، أو ما تمتّعت به من حريات، ولعل في التجربة الكويتية خير برهان. فعلى الرغم من كل المحاولات لتخريب الممارسة الديمقراطية، سواء من خلال عمليات تزوير الانتخابات، أو من خلال إقحام عناصر فاسدة لتشويه صورة ودور نائب الأمة، أو سواء كان ذلك بواسطة تبديل مجلس الأمة المنتَخَب بمجلس معيّن، كما حدث في المجلس الوطني، فبالرغم من كل تلك المحاولات الساعية إلى تهميش عملية الانتخابات والاختيار الحُر والتمثيل البرلماني الشعبي النزيه، فإن التاريخ لم يَعُد إلى الوراء بتجربة الكويت الفتيّة، والدليل جاء عنواناً للمشاركة غير المسبوقة في الانتخابات الماضية، وللإصرار الشعبي على محاسبة الفاسدين وعدم تمكين الحكومة من دعمهم في الانتخابات كالعادة.
ما يحدث من صراع تحت قبّة عبدالله السالم لا علاقة له بالديمقراطية كثقافة مُكتَسَبة يتمسّك بها كل كويتي وكويتية، ولم يعد ينطلي على الناس اتهام الآخرين لمجلس الأمة بتعطيل التنمية، خاصة بعد أن أصبحت الديمقراطية في الكويت صيرورة ومسألة حتمية تسير إلى الأمام، فأغلب هؤلاء المستائين من ديمقراطية الكويت، سواء من خارج الكويت أو من داخلها، لا ينظرون إلى كل المُكتسبات التي حقّقها المواطن الكويتي بسبب ما يتمتّع به من حريات وحقوق، هم ينظرون فقط إلى ما تواجهه هذه المسيرة من عثرات، قد تكون في صُلب عملية التنقيح والتطوير.
المشكلة في عالمنا العربي بشكل عام أنه لا يزال يختزِل الديمقراطية في مجالس نيابية منتَخَبَة، بينما هي أبعد من مجرد ذلك، فالديمقراطية التي لا تخلق مواطناً حراً في تفكيره، ومتحرراً من كل أشكال الخوف من السّلطة، تكون قد فشلت في التطبيق، والديمقراطية التي لا ترفع منسوب المُمارَسَة والصراع السياسي تكون مُقنّنة، والديمقراطية التي تتدخّل فيها قوى خارجية، تبقى دائماً مُهدّدة.
لا يدعي أحد على الإطلاق أن مسألة الانتقال الديمقراطي هي مسألة سهلة وسَلِسة، فالتجارب الديمقراطية من حولنا تؤكّد ذلك، لكنها كمُمارَسة تبقى أساساً لأي بناء مستقبلي ثابت القواعد، فالدول والشعوب التي ذاقت طعم الحرية بأي شكل من أشكالها لا يمكن أن تنسى ذلك المذاق، فهو يبقى عالقاً في الذاكرة وقابلاً للتكرار والاستحضار عند أدنى فرصة، بعكس الشعوب التي لم تعبر بأي شكل من أشكال المشاركة السياسية، التي غالباً ما تغرق في الفوضى عند أدنى هزّة مثلما حدث في أكثر من نموذج عربي.
العراق اليوم يقدم مثالاً على ذلك، فما تعرّض له المواطن فيه من خوف وإرهاب وألم وقمع لأكثر من أربعين عاماً لم يمنع من أن تتفجّر في أرجائه كافّة ثورة أكتوبر التي قادها شباب عراقيون عاشوا داخل أسوار الخوف، لكنهم ورثوا طعم الحرية عن آبائهم، ويوماً ما سينهض العراق من جديد، معتمداً على أساسات مُسبَقة.
الممارسة الديمقراطية هي في نهاية الأمر ثقافة، والثقافة جزء من الحضارة، والحضارات لا تموت أبداً، لذلك سيُصر كل من أمسك بطرف من الحرية يوماً على أن يُبقي قبضته عليها، فالنُّضج لا يكون إلا باستمرار التجربة وتراكمها.
نحن في الكويت، أمسكنا بطرف الحرية ولا مكان للتراجع هنا إطلاقاً، وتجربتنا الديمقراطية أصبحت صيرورة وقدراً كما ذكرت لاحقاً، قد تخبو يوماً، لكنها حتماً ستُشرق، وقطعاً سنبقى فخورين بديمقراطية وإن كانت “منقوصة” اليوم، فحتماً سيكتمِلُ يوماً قرصها لأن آباءنا دشّنوا الأُسس، لكننا لن نرضى يوماً أن نكون أسرى لسُلطة مُطلَقة أو لحرية منقوصة، وإنما لمجالس مُشتَرَكة وحرية كلمة تُمثّل أطياف الكويت كافة.
