غير مصنف

قانون العفو.. من عُمان إلى تركيا

[جريدة القبس 10/5/2021]

لا حياة سياسية أو فكرية أو اجتماعية خالية من نقيضها، بمعنى آخر لا مجتمع بشرياً يخلو من الاختلاف، وبالتالي فإن القول إن هناك مجتمعاً سياسياً بلا معارضة هو قول فارغ وبعيد كل البُعد عن الواقع، بل هو أقرب إلى الشكل المثالي اليوتيوبي، الذي أثبت الفلاسفة استحالة قيامه، وبالتالي وجوده.
في الكويت يدور الحديث ومنذ فترة حول مسألة العفو، خاصاً كان أو شاملاً، العفو عن مجموعة بنَظَر القانون الذي أدانهم قد ارتكبوا خطأً يحتمل العقوبة، بينما يرون ويرى معهم الكثيرون أنهم مارسوا حقوقاً مُكتَسَبة نصّ عليها الدستور. وسواء كان هؤلاء من المغردين أو من المحكوم عليهم في جرائم الرأي أو دخول المجلس، فإن هنالك خلافاً حول تصنيفهم، وعما إذا كانوا يُعتَبَرون ضِمن “المعارضة”، وبالتالي يتم التعامل معهم وفقاً لذلك، أي بكونهم جزءاً من الإطار السياسي الذي يشمل السلطة والمعارضة وأطرافاً أخرى، أم إنهم مجرّد مُنتَهكي قوانين وجَبت معاقبتهم. فلا تزال كل الحوارات والنقاشات المتعلّقة بمسألة العفو تحوم حول تصنيف المشمولين تحته، معارضة أم لا؟
باعتبار أن المعارضة جزء لا يتجزأ من أي نظام سياسي، فإن التعامل معها كنهج وكشخوص اختلف باختلاف الأنظمة والسُّلطات، فإما أن تتم مواجهة المعارضة وقمعها، أو يتم احتواؤها، ولا داعي لشرح تكلفة الخيار الأول، وهو الخيار الأشهر في عالمنا العربي بشكل عام، حيث تتم مواجهة المعارضة السياسية بكل أشكال القمع والعنف وبشكل أدى إلى دخول أكثر من دولة عربية خانة الدول الفاشلة.
لكن في المقابل، هنالك الخيار الثاني، الذي هو حتماً أقل كلفة، لكنه أصعب ممارسة، فاحتواء المعارضة يشترِط نظاماً سياسياً تستطيع كل الأطراف أن تتحرّك داخل إطاره، فتُمارِس السلطة دورها في الحكم والإدارة، وتتحرّك فيه المعارضة ضمن الإطار الشرعي والمؤسسات المُعتَمَدة.
قد يكون ما سبق ذِكرَه مجرّد هذيان أو تنظير لا يقودنا إلى خلاصة القول في موضوع العفو، الذي هو حديث الساعة اليوم في الكويت، والذي آن الأوان للتعامل معه كما سبقنا إليه سلطان عُمان، الذي أصدر عفواً سامياً عن المعارضين العمانيين، ممن حصلوا على حق اللجوء في بريطانيا، وهو أمر اعتبره بعض المتابعين للشأن العماني يشكّل ضربة موجعة لأطراف إقليمية كانت تستثمر في هؤلاء من أجل مصالح مختلفة.
حيثيات وتفاصيل دخول مجلس الأمة في نوفمبر 2011 تحمل من الثغرات ما يعطي كل طرف فرصة وحقاً في المداولة، فبينما يرى طرف أنها بمنزلة “الجريمة” التي تَستَدعي العقوبة، يرى طرف آخر أنها نتيجة وتحرّك مشروع في مواجهة حالة من الفساد السياسي والمالي غير المسبوق، مما دفع المواطنين إلى الخروج في تظاهرات حاشدة آنذاك.
من الواضح أن هنالك اختلافاً جوهرياً في قواعد اللعب بين كل الأطراف، وهو اختلاف أدّى وكما نرى إلى استنزاف من قِبَل اللاعبين كافة لأدوات رقابية فاعلة، كالاستجواب البرلماني مثلاً، وسيبقى الأمر مُعلّقاً بهذا الشكل ما لم يتم حسم موضوع العفو.
قرارات العفو ليست جديدة ولا مُستَحدَثة، فلقد استخدمها جميع الرؤساء الأمريكيين، منهم الرئيس الأول جورج واشنطن، الذي أصدر عفواً عن المزارعين الذين قادوا تمرداً يسمى تمرّد الويسكي، كما جاء قرار فورد، الذي أصدر عفواً عن سلَفِه نيكسون بعد فضيحة “ووترغيت” ليُشكّل أكثر قرارات العفو شهرة.
كما أصدر ترامب قرارات عفو عدة أثارت جدلاً حول المنطق الذي يحكم قرارات العفو وعن الحاجة إلى سلطة عفو رئاسي في دولة ديمقراطية تحكمها سيادة القانون، ومع ذلك فقد بقيت ولا تزال قرارات العفو الرئاسي في الولايات المتحدة سارية وفاعلة.
إن أهم شرط يتوجّب على المعارضة أياً كان توجّهها الالتزام به هو الموالاة التامّة للوطن، وحتى هذه اللحظة لم يَصدر عن أي من المعارضين خارج الكويت، سواء المتهمون في قضية دخول المجلس أو من المغرّدين، ما يدُل على عدم ولائهم للكويت، بل لعلَّ العكس هو الصحيح، فلم تستطع أي جهة أن تستقطب أياً منهم ليتحدّث ضد الكويت ولم يكن أيّ منهم بوقاً لأحد أو مهاجماً للكويت.
ولنتذَكّر دائماً أنهم يبقون جزءاً مهماً من النسيج السياسي المتنوع، أو كما يُقال إن “قراءة التاريخ تثبت أن الحرية دائماً تموت عندما يموت النقد في المجتمع”، وتبقى حكمة القرار هي الفيصل بين مبادرة عُمان وبين مصير شبابنا العالق بين تركيا وغيرها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى